⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله و سلم على نبينا محمد و على آله و صحبه أجمعين، اللهم افتح لنا أبواب رحمتك و انشر علينا أبواب حكمتك، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم. أما بعد، فإننا نفهم أهمية صلة الأرحام حينما ننبعث من إيماننا بالله تبارك و تعالى، فندرك أنه جل وعلا لم يخلقنا في هذه الحياة عبثا، وأن هذا العمر الذي أنعم الله تبارك و تعالى به علينا يجب أن نستغله فيما يُرضي ربنا سبحانه و تعالى و يعود علينا بالنفع.
فحينما نبعث من عقيدتنا أن الله تبارك و تعالى المعبود بحق وحده سبحانه قد حد لنا حدودا، وأوجب علينا فرائض، وأمرنا بكل ما فيه صلاحنا في الحال وفي المآل، ونهانا عن كل ما يمكن أن يفضي بنا إلى فساد في الحال أو إلى خسران في المآل، فإننا سندرك أن صلة الأرحام ليست مضيعة للأوقات، وأنها من أفضل العبادات التي يتقرب بها المسلم إلى ربه جل وعلا، وأنه حينما يصل رحمه ويؤتِ ذوي قرباه ويبرهم ويحسن إليهم فإنما في الحقيقة يشكر الله تبارك و تعالى على نعمه، ويحسن إلى نفسه، ويقدم لآخرته.
هذا على مستوى الأفراد، أما على مستوى المجتمع، فإن جملة من المعاني لا يمكن لها أن تتحقق إلا بصلة الأرحام؛ فإن معاني الإخاء والموالاة بين المؤمنين الموصوفة في قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10]، وفي قوله سبحانه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: 71]، لا يمكن أن تتأتى للمسلمين إلا إذا بنوا علاقاتهم على صلة متينة من ابتغاء ما عند الله تبارك وتعالى، ومن أداء الحقوق اللازمة عليهم نحو بعضهم البعض.
وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم واصفا جماعة المؤمنين: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا» وشبك بين أصابعه، وقوله الآخر: «ترى المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر»، لا يمكن أصلا أن يبلغ إليه إلا بصلة الأرحام.
نعم، وصلة الأرحام في ضوء هذا الفهم المنبعث من الإيمان بالله تبارك و تعالى، ومن ابتغاء ما عنده في الدار الآخرة، ومن إدراك أن فيما أمرنا به ربنا جل وعلا مصالح لنا في دنيانا وأسبابا للنجاة والسعادة في العقبى، في ضوء هذه المعاني والمقاصد يمكن لنا أن نفهم هذه المنزلة التي تتبوؤها صلة الأرحام في دين الله تبارك و تعالى السمح الحنيف، الذي ورد من جملة ما ورد فيه أن الله عز وجل وصانا بذي القربى في سياق أمرنا بعبادته، قال: ﴿وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ [النساء: 36].
وقال: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ * وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ * وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: 19-22]، وفي مقابل هؤلاء ذكر أولئك الذين يقطعون أرحامهم، فلا يصلونها، فقال: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَٰئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [الرعد: 25].
وقال في سورة محمد: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد: 22-23].
فنجد أن ربنا جل وعلا في كتابه الكريم يأتي مباشرة بعد إقامة الميثاق الذي بين العباد وبين خالقهم سبحانه وتعالى، وهو ميثاق الإيمان به وتوحيده جل وعلا، يأتي مباشرة بصلة الرحم، بوصل ما أمر به جل وعلا أن يوصل، ويأتي في سياق بيان عواقب ما وقع فيه أهل الكفران أنهم بعد كفرهم بالله تبارك وتعالى فإنهم يقطعون الأرحام ويفسدون في الأرض كما في الآيات المتقدمة.
ولذلك ورد في أحاديث كثيرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيان فضل وأهمية صلة الأرحام، وعاقبة ذلك وآثاره على الفرد في رزقه وفي عمره؛ فقد ورد أن الرحم تعلقت بعرش الرحمن واستعاذت به، فقال لها: «ألا يكفيك أن أصل من وصلك وأن أقطع من قطعك؟» وهذا الحديث ورد بروايات عديدة عنه صلى الله عليه وآله وسلم، مما يؤكد أن للرحم منزلة بالغة لا يصح للمسلمين اليوم أن يتهاونوا فيها وفي إقامتها، لأن كل المعاني والمقاصد التي توختها هذه الشريعة الغراء من التأكيد على أهمية صلة الرحم، وبيان فضل البر والإحسان إلى ذوي القرابات لا يمكن أن تتحصل لهم حينما يفرطون في صلة الرحم، ويهملون ويقطعون أرحامهم ولا يصلون، أو ولا يحسنون إلى ذوي قراباتهم.