مكتبة الفتاوى← الرجوع للرئيسية
✓ تم نسخ الرابط

الفرق بين الدين والرأي

ما الفرق بين مسائل الرأي ومسائل الدين وما الضابط بينهما في الأحكام الشرعية؟

⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما بعد فإن المقرر عندنا في التمييز بين مسائل الدين ومسائل الرأي أن مسائل الدين هي تلك التي تبنى على أحكام قطعية منصوص عليها من كتاب الله عز وجل أو من سنة رسول الله صلى الله عليه وآله أو انعقد عليها الإجماع الصحيح المعتبر شرعًا. بناءً على ذلك تكون مسائل الرأي هي ما سوى هذا النوع من المسائل، فما لم يُبنَ من الأحكام الشرعية على أدلة قطعية ثبوتًا ودلالة فإنه يعد من مسائل الرأي، هذا هو الفرق الجوهري بين مسائل الدين ومسائل الرأي. فإذا كانت المسائل الشرعية مبنية على أحكام قطعية، والمعلوم أن القطعية تنقسم إلى نوعين: فهو قطعي ثبوتًا، أي من حيث وروده إلينا، وذلك إذا كان في كتاب الله عز وجل أو كان في سنة متواترة صحيحة ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم – أي بلغت حد التواتر – أو كان إجماعًا نُقل إلينا أيضًا، لا خلاف فيه في قضية أجمعت عليها الأمة أو اتفقت عليها الأمة، هذا معنى القطعية من حيث الثبوت. أما القطعية من حيث الدلالة فمعناها أن يكون ذلك النص – أي الدليل الشرعي – لا يحتمل إلا وجهًا واحدًا، وما سواه من التأويلات، ما سواه من الوجوه إن كانت محتملة فهي بعيدة كل البعد، وإلا فالأصل أنها لا تحتمل، أي: تلك الأدلة الشرعية لا تحتمل إلا دلالة واحدة. لنضرب لذلك مثالًا: قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: 43]، فهذه آية من كتاب الله عز وجل، ولذلك فهي قطعية الثبوت، ثم إنها لا تحتمل إلا معنى الوجوب، إلزام المخاطبين بوجوب إقامة الصلاة وبوجوب إيتاء الزكاة، ولا يمكن أن تُؤول، لا تحتمل معنى آخر. ومن الأمثلة على ذلك أيضًا يوم عرفة، الوقوف بعرفة؛ فقد أجمعت الأمة لأدلة وردت في سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يوم عرفة إنما هو اليوم التاسع من ذي الحجة، وهذا يعني أن من يخالف في هذه القضية يكون معرضًا نفسه للفسوق؛ لأنه مخالف في مسألة دين لا في مسألة رأي. هذا ما يترتب على التفرقة بين مسائل الدين ومسائل الرأي: أن مسائل الدين لا تحتمل الخلاف، والمخالف فيها مخطئ، وهو معرض نفسه للفسوق والهلاك والعياذ بالله، وأما مسائل الرأي – وهي أكثر شريعة الله تبارك وتعالى – فإنها ما سوى ما تقدم؛ فلا بد أن يكون الدليل غير قطعي، كأن يكون حديث آحاد – على سبيل المثال – أو أن تكون دلالته محتملة، فدلالته ظنية كما يقول الأصوليون، ففي هذه الحالة تكون المسألة مسألة رأي. الحقيقة: من المؤهَّل للتمييز، والخطاب في مسائل الرأي ومسائل الدين إنما هو للعلماء المجتهدين؛ فهذا لا يسوغ لعامة الناس ممن لا حظ لهم من العلوم الشرعية في أن يقسموا المسائل بناءً على أهوائهم أو على جهل لا أساس له من العلم الشرعي المقبول؛ فإن مرد هذه القضايا إلى أهل العلم. ثانيًا: حينما يقال بأن مسائل الرأي يسع فيها الخلاف، وأنها علامة من علامات الرحمة بهذه الأمة، ونجد أن صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد اختلفوا، وأقر رسولنا عليه الصلاة والسلام اختلافهم ذلك، كما في حديث: «لا يصلينَّ أحدُكم العصرَ إلا في بني قريظة»، فمنهم من فهم المبادرة والتعجيل مع أدائهم للصلاة في وقتها، ومنهم من أخذ ظاهر اللفظ فلم يصل العصر إلا في بني قريظة وكان ذلك بعد خروج الوقت، فأقر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأن توجيهه لهم يحتمل المعنيين. فمرد الأمر – إذًا – أولًا إلى العلماء القادرين على الاجتهاد، ولا نقصد بذلك أيضًا التضييق على الناس ونقول بأن الاجتهاد هنا هو الاجتهاد المطلق، بل يكفي حتى الاجتهاد ما يُعرف عند الأصوليين بالاجتهاد الجزئي الذي يمكن أن يكون في فن من الفنون أو حتى في جزء من الفروع الفقهية، لكن صاحبه متقن ضابط بصير خبير بتلك الجزئية. وعلى هذا فإن من يتبع الهوى ويسعى إلى أن يبرر لنفسه المخالفات الشرعية بدعوى أنها من مسائل الرأي فهو خارج عن هذا الباب؛ فالتقسيم إلى مسائل دين ومسائل الرأي ليس مسوِّغًا لارتكاب الناس للمخالفات الشرعية بدعوى أن مسائل الرأي لا يُخطأ فيها؛ لأن قصده للمخالفة في ذاته هو أمر غير مقبول شرعًا، وهو من مسائل الدين أن يقصد مخالفة أمر الله تبارك وتعالى والانحراف عن الصراط المستقيم واتباع الهوى، هذه مما لا تحتمل الخلاف؛ لأن الله سبحانه وتعالى أمرنا باتباع الصراط المستقيم وبأن نستقيم على دينه جل وعلا. ونجد أن المسألة الواحدة قد تكون في ذاتها ذات طبيعتين: يمكن أن تكون باعتبار من مسائل الدين، لكنها باعتبار آخر من مسائل الرأي؛ فنظر المتأول فيها هو الذي يصنفها؛ فإذا كان تأويله صحيحًا مقبولًا شرعًا فإنها من مسائل الرأي يُوسَّع له فيها؛ لأن أنظار المجتهدين تختلف وتتفاوت بالفعل، وأما إذا لم يُبنَ ذلك الرأي على أساس شرعي صحيح أو على تأويل مقبول، وإنما كان مبعثه اتباع الهوى ومجانبة الدليل، فإن المسألة حينئذ تكون من مسائل الدين لهذا الاعتبار. وقد مثَّل الشيخ السالمي رحمه الله تعالى لهذه المسألة بالقتيل: من قُتل، فهل قُتل في أجله؟ هل ذلك هو أجله، أم إن أجله الذي كتبه الله عز وجل له – إن لو لم يُقتل – كان مقدرًا له أن يعيش إلى أن تحين ساعة وفاته؟ فالشيخ السالمي رحمه الله عد هذه المسألة من هذا النوع من المسائل ذات الطبيعتين؛ بحيث إن الذي يتأول من العلماء أن هذا الذي قُتل قد كتب الله عز وجل له أجلين: أجل القتل وأجل الوفاة إن لو لم يحصل القتل، والله عز وجل قد علم أنه يُقتل، فقال: حينئذ تكون هذه المسألة من مسائل الرأي؛ لأن هذا المتأول تأول بوجه شرعي صحيح مقبول. لكنه لو نُظر إليها باعتبار آخر: أن المتأول يدعي أو يزعم أن هذا لم يكن في علم الله تعالى، فحينئذ تكون المسألة مسألة دين؛ لأنه أضاف إلى الله تبارك وتعالى صفة نقص وهي الجهل. أنا أؤكد على أن المقصود ليس التسويغ لاتباع الهوى ولا التبرير للمخالفات الشرعية، وإنما أن يكون الاجتهاد صادرًا من أهله، وأن يكون التحري لاتباع الدليل الشرعي؛ قد لا يصل إليه دليل شرعي، قد لا تصل إليه كل الأدلة الشرعية، قد يقصر نظره عن اجتهاد أرجح أو أصوب، كل هذه مما يسوغ أن تكون المسألة مسألة رأي، أما فيما سوى ذلك فإنها تكون من مسائل الدين كما تقدم، والله تعالى أعلم.
👤كهلان بن نبهان الخروصي
📅 ٦‏/٧‏/٢٠١٥
🎬

#فتاوى_متنوعة - د. كهلان بن نبهان الخروصي 10 رمضان 1436 هـ HD

أصول الفقه

✦ فتاوى مشابهة

اتباع الهوى واختلاف العلماء

2 👁

كيف يجمع المسلم بين النهي عن اتباع الهوى وبين كون اختلاف العلماء رحمة ووجود الرخص الفقهية؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢‏/٥‏/٢٠٢١

اختيار قول من الخلاف

2 👁

هل يجوز للشخص أن يختار أي رأي من آراء أهل العلم عند الاختلاف، أم هناك ضوابط؟

👤ماجد بن محمد الكندي
١٥‏/٧‏/٢٠٢٣

معايير أخذ الفتوى

2 👁

ما الضوابط والمعايير التي يعتمدها المسلم لاختيار العالم الذي يأخذ عنه أحكام الدين والفتوى؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
١١‏/٤‏/٢٠٢٢

اتباع مذهب الوالدين

3 👁

إذا كان الأب والأم من مذهبين مختلفين فهل يلزم الطفل شرعاً باتباع مذهب أحدهما أم له حرية الاختيار لاحقاً؟

👤إبراهيم بن ناصر الصوافي
٨‏/٨‏/٢٠٢٥

أصول الدين وحدود قضايا العقيدة

2 👁

ما المقصود بأصول الدين من حيث كونها قضايا عقيدة تحتاج لأدلة قطعية، وما الفرق بينها وبين فروع العقيدة؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٧‏/٥‏/٢٠١٣

اختلاف الفتاوى بين العلماء

0 👁

عند اختلاف الأحكام بين المشايخ حتى داخل المذهب، فإلى أي شيخ نتبع؟ وهل نمشي على ما ترتاح له النفس؟

👤ماجد بن محمد الكندي
٢٨‏/٣‏/٢٠٢٣