⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
فان من الاسباب المفضية إلى العنف ما يتعلق بعموم الناس، وتأتي في صدارة هذه الاسباب التنافس على الدنيا، فهذا أمر قد حذر منه الله سبحانه وتعالى وحذر منه نبينا محمد صلى الله عليه وآله بأصرح عبارة حينما قال: «فوالذي نفسي بيده، لا الفقر أخشى عليكم، وإنما أخشى عليكم أن تُبسط عليكم الدنيا كما بُسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم»، وفي رواية: «وتلهيكم كما ألهتهم». نعم، فإن واقع المسلمين اليوم أنهم يتغالبون على حظوظ هذه الحياة الدنيا، ويعزب عن عقولهم ووجهتهم في هذه الحياة أن الله سبحانه وتعالى استعمرهم في هذه الارض واستخلفهم فيها لأجل أن يعمروا آخرتهم بالعمل الصالح فيها، ولأجل أن يسعوا فيها بالإصلاح بكل أنواع هذا الإصلاح وبما يشتمل عليه من دلالات ومفاهيم، مع تمسكهم بمبدأ التعاون وحب الخير للغير وحب الخير للناس جميعا، وأن هذا الدين الذي يسلكون بأنفسهم فيه جاء رحمة للعالمين، وأن الإنسان مهما كان هذا الإنسان لا مناص له من هدايات هذا النور الرباني الذي أكرمهم الله سبحانه وتعالى به.
فلما آل حال المسلمين إلى هذه المغالبة، وإلى التدافع على حظوظ النفوس وعلى حظوظ هذه الحياة الدنيا، استبد بهم حب الدنيا، وحب الدنيا رأس كل خطيئة؛ لأنه يُنسي الله سبحانه وتعالى وحقوقه على العباد، ويورث قسوة القلب والغفلة. ولذلك تجد أن المسلمين في كثير من بلدانهم وأوطانهم يتنازعون فيما بينهم، ويصل نزاعهم إلى حد الشقاق والاقتتال على حظوظ دنيوية زائلة، بما في ذلك ما يتصل بكراسي الحكم، وبالأموال والثروات، وبالسلطة والولايات، كما هو أيضا فيما يتعلق بالحقوق الدنيوية التي هي زهيدة حتى بالمعايير الدنيوية فضلا عن المعايير الأخروية.
ثم بعد التنافس على الدنيا يأتي الجهل؛ فإن المتأمل في واقع المسلمين يجد أنهم يمرون بفترات من الجهل المطبق للأسف الشديد. هذا الجهل أدى بهم إلى عدم تمكنهم من التمييز بين الحق والضلال، بين الهدى والغي، ولذلك فإنهم ينساقون وراء أي دعوة يكون ظاهرها براقا، يكون ظاهرها داعيا إلى خير أو إلى أمر يفقدونه، دون أن يعملوا فيها عقولهم، ومنشأ ذلك إنما هو جهلهم؛ جهلهم بدين ربهم جل وعلا، وجهلهم أيضا بسائر العلوم والمعارف والثقافات، وببواطل الأمور وحقائقها. لأن الله سبحانه وتعالى حينما بين منهج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومنهج صحبه الكرام الذين يسيرون في هداه قال: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: 108]، والبصيرة هي نفاذ البصر بحيث يتمكن هذا السائر في طريق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الصراط المستقيم من النفاذ إلى حقائق الأمور وبواطن الأشياء، وإلى سبر أغوار هذه الحياة، فيتمكن من التمييز بين الخبيث والطيب، فلا يندفع وراء ما كان دعوة زائفة وإن بدت في لبوس يدعو إلى الخير أو إلى الهدى أو إلى الرشاد، لكنها في حقيقتها تنطوي على سم زعاف.
هذا الذي أصاب المسلمين، لا سيما الشباب منهم، إنما مرده إلى الجهل الطاغي؛ ولذلك فإنه لابد من أن يتمسك المسلمون في سبيل معالجة هذه الأوضاع بالبصيرة والعلم، ونفي هذا الجهل وهذا الظلام عن واقعهم، وإزالة الغشاوات عن قلوبهم وعن عقولهم.
ثم بعد الجهل، وبعد التنافس على حظوظ هذه الحياة الدنيا، يأتي نوع آخر ومنشؤه الجهل أيضا إلا أنه صنف خاص، وهو التعالم، أي ادعاء العلم؛ فإن المسلمين لم يكتفوا بالوقوف عند حد الاعتراف بالجهل، والسعي إلى نفي هذا الجهل عنهم بالتعلم والتزود بالمعارف النافعة المفيدة، وإنما ادعوا أنهم علماء، وأنهم باحثون، وأنهم مفكرون، فتجد الواحد منهم محللا وناقدا، ويدخل نفسه ويقحمها في فنون ومجالات وقضايا، دينية كانت أو دنيوية، وهو جاهل لا يعرف قبيلها من دبيرها فيها. نعم، ولذلك فإن التعالم هو من الآفات التي ابتلي بها واقع المسلمين اليوم.
أيضا، حتى أختتم هذه الأسباب التي أصابت عموم المسلمين، فإن البعد عن طريق الهداية وعن تقوى الله سبحانه وتعالى ومراقبته، والبعد عن مراقبته، أفضت بهم إلى ما أفضت به من هذه الغشاوات والحجب التي حالت بينهم وبين معرفة حقيقة هذه الحياة، وحقيقة المال الذي إليه ينقلبون. نعم، وظنت طائفة منهم أن المخلص إنما يكمن في التنكب عن الدين، وفي الإعراض عن هدي الله تبارك وتعالى، وفي التنقص من شأن الدين والمتدينين والاستهزاء بهم، وانتشر –للأسف الشديد– مثل هذه الشبهات على مستويات متفاوتة في واقع المسلمين شرقًا وغربًا.
فتجد المسلمين –من حيث إنهم يشعرون أو لا يشعرون، من حيث إنهم قاصدون أو أنهم مقلدون لغيرهم– يرجعون على دينهم باللوم والنقد، وهم معرضون عن تعاليم الله سبحانه وتعالى، وعن التمسك بأحكام هذا الدين وأخلاقه وآدابه وعباداته وعقيدته. نعم، مع أن في صدارة ما يمكن أن يصحح به المسلمون أوضاعهم أن يولوا دينهم العناية اللازمة؛ إذ لا يُتصور أن يحقق المسلمون عزًّا أو مجدًا، أو أن يخرجوا من هذه الدوائر المظلمة التي هم فيها وهم بعيدون عن دينهم؛ إذ لا مجد لهم إلا بدينهم، ولا عزة لهم إلا بتمسكهم بكتاب ربهم، ولا يمكن أن يصححوا أوضاعهم ويعالجوا حالتهم إلا بتمسكهم بأحكام هذا الدين، واقتدائهم خير الأنبياء والمرسلين، قدوة الناس أجمعين، نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم. هذه هي الأسباب الجوهرية، تنطوي تحتها فروع تستدعي البحث والنظر، لكنها في مجملها لا تخرج عن هذه الأسباب الأصلية الجوهرية.