مكتبة الفتاوى← الرجوع للرئيسية
✓ تم نسخ الرابط

متى يعفو المظلوم

متى يعفو الإنسان ومتى ينتصر لنفسه دون أن يكون عفوه سبباً في تمرد الظالم واستغلاله؟

⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
ينبغي لنا أولًا أن نتبيَّن أن درجة العدل مطلوبة معتبرة شرعًا، والمقصود بالعدل أن يأخذ الإنسان حقه بما شرع الله تبارك وتعالى، وعلى هذا يُحمَل ما ورد في نفس الآيات من سورة الشورى؛ فإنها صدرت بقوله تبارك وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ * وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾، ثم قال بعد ذلك: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ ابتداءً أو في انتصارهم، ﴿وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. فدرجة العدل لا مؤاخذة فيها، لكن هناك درجتان أخريان: درجة الفضل، وهي التي تدعو إليها هذه الآيات الكريمة، وهي التي سماها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من فضائل الأعمال، وتحلَّى بها، ولها سياقها وكيفية تطبيقها، ودرجة أخرى وهي درجة الظلم؛ فإن الظلم الواقع على العبد قد يدفعه إلى أن يظلم غيره، أن يبغي في الأرض فسادًا، وهذا محرم؛ لأنه سيكون آثمًا كما أن الظالم الذي أوقع عليه الظلم ابتداء آثم. ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيما يرويه عن رب العزة والجلال –أي في الحديث القدسي–: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرّمًا، فلا تظالموا»، وورد أيضًا عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إياكم والظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة». وتقدَّم أيضًا في سورة الشورى: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾، في حين أنه قال في سياق الفضل والإحسان إلى من أساء: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، وقال: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾. إذًا هي ثلاث درجات: درجة العدل، وهذه لا مؤاخذة فيها، ويَسُوغ لكل من وقع عليه ظلم أن ينتصر لنفسه، وأن يسعى إلى المطالبة بحقوقه دون مجاوزة للحدود حتى لا يقع في الدرجة الأخرى، وهي درجة الظلم، وفوق العدل درجة الفضل والإحسان. من يستحق هذا الفضل والإحسان من العبد؟ هذه هي القضية المهمة؛ الآية الكريمة قالت: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾، كثير من المفسرين يرون أن قول الله تبارك وتعالى: ﴿فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ عُلِّق على وصفين: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ﴾، ويحملون الإصلاح على وجهين: أن يصلح ما بينه وبين من وقع منه الظلم وذويه وأوليائه، وأن يكون الوجه الثاني أن يكون عفوه سببًا للإصلاح في المجتمع، سببًا للإصلاح الخاص وللإصلاح العام، لا أن يكون هذا العفو مجلبةً لمزيد من الظلم والفساد. إذًا لنحرِّر أين يكون العفو عن المسيء أو عن الظالم: ألا يكون ذلك في حدٍّ من حدود الله تبارك وتعالى؛ فرسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «عباد الله، تعافَوا فيما بينكم، فإن من بلغني أقمتُ عليه الحدَّ». هذا في الحدود كالزنا والسرقة مما فيه حقٌّ لله تبارك وتعالى، هذا لا يملك أحد أن يُسقِطَه إذا بلغ السلطان، أي إذا بلغ الحاكم. إذًا هذا هو القيد الأول، القيد الثاني: أن يكون في حقوق الآدميين في النفس كما هو في القصاص؛ فإن الله تبارك وتعالى ذكر في سياق الحديث عن القصاص: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾، وفي سياق الحديث عن القصاص قال: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾. فما يتعلَّق بحقوق الآدميين، سواء كان ذلك في الأنفس في الدماء أو الجراحات، أو كان ذلك في الأموال، أو كان ذلك كما تقدَّم في الأعراض من السباب والشتائم، فإن هذا هو محل العفو، على أن لا يكون جالبًا لمزيد من الفساد والظلم في المجتمع. فإن كان الظالم يُظنُّ به، يغلب على الظن أنه سيعود إلى أن يعيث في الأرض الفساد، وأن يعتدي على من ظلمه أو على غيره من الناس، فإن هذا غير مستحق للعفو، إذا كان ممن ينشر الرذائل والفساد في الأرض، فإن هذا غير مستحق للعفو؛ فليس العفو عنه من الإصلاح في شيء. إذًا لا بد أن يكون العفو مرتبطًا بالإصلاح؛ من كان يعيث في الأرض فسادًا، يخوض في أعراض الناس، لا يبالي بأموالهم ولا يبالي بدمائهم، وإن عُفي عنه فإنه يعود إلى ذلك، فإن هذا قد تمكَّنت منه خصال السوء، واستحوذت على نفسه الأهواء والشهوات، فالردع في حقه أولى: بأن يُنال جزاؤه، وأن يُقتَصَّ منه، وأن يحصل على العقوبة المقررة له. أمَّا إذا كان من غير هؤلاء، ويغلب على الظن –على ظن العقلاء ذوي الرشد– أن مثل هذا الذي وقع منه الظلم سينكفُّ عن ظلمه، وسيعود إلى رشده، وستزول من النفوس الشحناء والعداوات والتباغض والتنافر، فإن العفو في هذه الحالة أولى. إذًا: العفو لا يكون في حدود الله تبارك وتعالى –أي في الأمور التي فيها حقٌّ لله عز وجل–، وإنما يكون في حقوق العباد، ويكون ذلك مشروطًا بأن يكون سببًا للإصلاح في الأرض، لا أن يكون سببًا لجلب الفساد وإيقاع المضار والاستمرار أو المداومة على الضرر والأذى والشر في المجتمع. ومن لم يظهر له وجه الرشد فيما يريد أن يقدم عليه من أمر العفو عمَّن ظلمه، فليستشر ذوي الحلوم والعقول والرشد حتى يتبيَّن له الأمر؛ فإن لم يظهر، فقد تنازعه نفسه رغبةً في الانتصار لنفسه والانتقام مما وقع عليه، وقد تنازعه نفسه بأن عفوه سيكون مجلبةً لفساد، وأن هذا لن ينكفَّ عن ظلمه وفساده في المجتمع، وأن نيله للجزاء المستحق هو الأولى في حقه، فيتخذ ذلك ذريعةً لترك العفو. ومما نبَّه عليه أهل العلم أن العفو عن الظالم لا يصح أن يكون مُجْلِبًا للذل والهوان للنفس، فهذا منهيٌّ عنه، ولذلك استُنبِط هذا القيد من قوله تبارك وتعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾، ويفهم من قوله تبارك وتعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾، ثم إن هذا الفعل الأصل فيه أن يكون من أبواب الإحسان؛ فهذا الذي يعفو عن ظالم لا يرعوي عن ظلمه، ولا ينكفُّ عن فساده في الأرض، هو ليس بمحسن لا إلى نفسه ولا إلى غيره. فالحديث عما هو داخل في دائرة الإحسان، فإن الحرَّ يأسره الإحسان، يَغُلُّ يد مطلقها كما يقال.
👤كهلان بن نبهان الخروصي
📅 ١٢‏/٩‏/٢٠٢٢👁 2 مشاهدة
🎬

العفو عن من ظلم الاستحقاق والأثر - د. #كهلان_بن_نبهان_الخروصي HD

توبة والتبعات والحقوق

✦ فتاوى مشابهة

العتاب بعد العفو

2 👁

من يعفو عن من ظلمه ثم تحدثه نفسه بالعتاب والخوف من تكرار الظلم، كيف يتعامل مع هذا الشعور؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
١٢‏/٩‏/٢٠٢٢

أجر العفو

2 👁

ما الذي ينتظر المؤمن إذا عفا عمن ظلمه؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
١٢‏/٩‏/٢٠٢٢

مثال السائق المتهور

0 👁

فيمن يقود سيارته بتهور فيتسبب في مظالم للناس، هل العفو عنه حق للمظلوم وحده أم يتعلق بحق المجتمع؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
١٢‏/٩‏/٢٠٢٢

استشارة قبل العفو

2 👁

هل يلزم من يريد العفو عن من ظلمه أن يستشير أهل الحلم والعقل قبل الإقدام على العفو؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
١٢‏/٩‏/٢٠٢٢

العفو عن الميت

2 👁

من عفا عن شخص قد مات، هل ينفعه هذا العفو؟ وهل يشترط أن يكون العفو عند المقدرة؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
١٢‏/٩‏/٢٠٢٢

استرجاع حق المظلوم

2 👁

ماذا يفعل المظلوم الذي سُرق ماله بالاحتيال ليسترجع حقه من الظالم؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٦‏/١٢‏/٢٠٢١