⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
الجواب: الأولَى في هذه المسألة الكفُّ عن الخوض فيها، إذ لا يترتب عليها عمل، ولا يترتب عليها شيء يمكن أن يدعو إلى أن يُبحث فيها.
أقصد من ذلك: أما مسألة عدم ترتب العمل فواضح، وأما مسألة ما يمكن أن يترتب عليها من علم أو اعتقاد، فإني لا أظن أن مسلما يمكن أن يتنقَّص من قدر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومنزلته بسبب قول من يرى بأن والديه كانا من أهل الجاهلية، وأنهم على مثل ما عليه أهل الجاهلية؛ بل إن بعضهم قد نصَّ أنهما كافران في النار، وأتوا بعبارات من الغِلظة ما لا يليق، انتصارا لقولهم فقط.
لكني لا أستعرض الأقوال هنا، وإنما أقول: إنه حتى على قول من يرى – يعني عندنا طرفان: طرف يرى أن والدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الجنة، ويستند في ذلك إلى بعض الآثار والروايات، وطرف يقول: إنهما في النار، ويستند أيضا إلى بعض الروايات – لكن لا ينبغي لمسلم، لا في حق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا في حق غيره من إخوته من الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، أن يحطَّ من قدر رسول كريم؛ لأن والديه أو أحد والديه أو أحد أفراد أسرته ليس من أهل التوحيد.
وكما أن كون والديه أو كون أهل رسول أو نبي من أهل التوحيد والإيمان لا يغيِّر من منزلة ذلك الرسول شيئا؛ لأنه ما استحق تلك المنزلة بكونه ينتسب إلى والدين مؤمنين مسلمين. وهذه قضية لا بد أن تكون واضحة: أنه مهما كانت الأقوال، لا يصح أن تُؤخذ بعواطف؛ مهما كانت الأقوال التي يقلِّدها القائل، فإن ذلك لا يعلي من شأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يحط من قدره؛ فهو أفضل الخلق على الإطلاق، هو سيد الأولين والآخرين، هو إمام الأنبياء والمرسلين عليه الصلاة والسلام.
هذه المسألة لا بد أن تكون واضحة، لذلك قلت: إنه لا يترتب على ذلك عمل ولا علم ولا عقيدة، فالأولى الكف عن الخوض في هذه المسألة. لكن ماذا نصنع والناس لا يكفون، لا قديما ولا حديثا؟
أعدل ما يمكن أن يقال في حق والديه: أنهما من أهل الفترة، فامرهم إلى الله تبارك وتعالى.
وقد أشار السائل إلى بعض الروايات، نعم، هناك روايات من حيث الإسناد إجمالا، كرواية الإمام مسلم – ظني أنها من طريق أنس – في قصة الأعرابي الذي سأله عن والده، فقال: في النار، فذهب الرجل وعليه كآبة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أبي وأباك في النار». والرواية الأخرى أيضا من طريق السيدة عائشة عند الإمام مسلم أيضا: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استأذن أن يزور قبر أمه فأُذِن له، واستأذن أن يستغفر لها فلم يُؤذَن له، فحزن عليه الصلاة والسلام.
هذه الروايات هي التي يستند إليها من يقول بأن أبويه عليه الصلاة والسلام في النار.
لكن الذي تدل عليه آيات الكتاب العزيز، من نحو قوله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾، ومن نحو قوله: ﴿مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ﴾، وما أشبه من آيات الكتاب العزيز التي تتحدث عن أهل الفترة، تُرجَّح على روايات آحاد، إن سَلِمت أسانيدها، فإن متونها لا تسلم، ويكفي أنها معارَضة بهذه الآيات القرآنية، ويكفي أن كلمة الأمة لم تجتمع؛ فلو كانت هذه الروايات مُسلَّما بقبولها في هذا الشأن، لما اختلفت هذه الأمة، لكننا نجد الاختلاف قديما وحديثا.
أما الرواية الأخرى التي يستند إليها من يقول بأنهما في الجنة، من أن الله تبارك وتعالى أحيا له والديه، وأنهما فَعُرِض عليهما الإسلام فدخلا فيه، فهذه رواية موضوعة لا تصح، ومدار من يعوِّل على القول بأنهما في الجنة إما هذه الرواية، أو أسباب هي أقرب إلى الجوانب العاطفية والحديث عن منزلة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وبعضهم يستدل بنحو قول الله تبارك وتعالى على لسان إبراهيم: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ قال: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾، وأن محمدا صلى الله عليه وسلم ونسبه الشريف من ذرية إبراهيم، من ذرية إسماعيل عليه السلام؛ هذه أدلة لا تصلح للاحتجاج في مثل هذه القضية.
ولذلك تقدَّم أن القول بالكف وعدم الخوض أسلَم وأولى، وأعدل هذه الأقوال هو القول بأنهما مثل أهل الفترة جميعا، فمردُّهم إلى الله تبارك وتعالى، وأمرهم إليه، وهو جل وعلا الملك العدل الحكم الرحمن الرحيم.
والله تعالى أعلم.