⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
كل ذلك وارد، إذ إن النظر إلى الشعائر التعبدية بعمق يهضي بنا إلى نتيجة مفادها أنه ما من عبادة يؤديها المسلم إلا وتورثه تزكية لنفسه وسموًّا له في خُلُقه.
﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾، و﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾، و﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾، فكل الشعائر التعبدية ترتقي بخُلُق هذا الإنسان وتسمو بآدابه وتثقل له شمائله حينما يؤديها على النحو الذي يرضي الله تبارك وتعالى.
وهذا الملحظ التربوي بالغ الأهمية، بحيث ينبغي أن يُغرس لدى الناشئة ولدى المتعلمين أن هذه العبادات التي يؤدونها ليست مجرد مظاهر جوفاء لا روح لها ولا أثر لها في تزكية نفوسهم وفي تزكية طباعهم والسمو بأخلاقهم، فهذا جانب تربوي مهم.
لكن في المقابل أيضًا فإن بعض الأدلة الشرعية الواردة في التنصيص على أهمية الأخلاق لا تحظى بالقدر الكافي من العناية والاهتمام؛ خذ على سبيل المثال هذا الحديث: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده»، وهناك رواية: «المؤمن من أمنه الناس على أنفسهم وأموالهم» وفي رواية: «على أعراضهم وأموالهم».
المعاني التي تتدفق من مثل هذه الأحاديث معانٍ جزلة كبيرة ينبغي أن تُغرس في الناس، وأن يعيها المسلمون، وأن يطبقوها في واقع حياتهم؛ لو أنهم التزموا بهذه القيم الواردة في هذين الحديثين لأغنوا عن كثير من المهاترات والعصبيات وأسباب التفرق والاختلاف التي مزقتهم شر ممزق.
والتقليل من أهمية الأخلاق في هذا الدين ليس بأقل ضررًا من التقليل من أهمية العبادة.
وللأسف الشديد سرى إلى واقع المسلمين اليوم فكر دخيل كان موجودًا في القرون الأولى ووقف أمامه علماء الإسلام، وهو الفكر الإرجائي؛ هذا الفكر الإرجائي الذي يعزل العمل بشقَّيه: عبادة أو خُلُقًا، عن الدين، عن الإيمان، فيظن بأن الإيمان مجرد شعارات، وأنه يكفي أن يُعوَّل على سعة رحمة الله تبارك وتعالى بقطع النظر عمَّن يستحق هذه الرحمة من العباد وعن شروط استحقاق هذه الرحمة، ويغفل جانب الوعيد والترهيب.
فهذا الفكر الإرجائي يُثبِّط المسلمين ويورثهم الكسل والخمول ويبعدهم عن الجد والعمل، وعن فهم آثار هذه العبادات وفلسفتها وعمق تأثيرها في صياغة هويتهم الفردية والجمعية.
فكان لا بد أن يتجه علماء الإسلام والوعاظ والمرشدون إلى تصحيح مثل هذه النظرة باعتدال، مع التنبيه إلى أنه لا يمكن أن يكون خطاب الترهيب وحده عذرًا لفك الارتباط بين العمل والإيمان، بين الأخلاق والعبادة، ومعنى الدين بمفهومه الواسع، والله تعالى أعلم.