⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
المسلم مأمور بالمحافظة على الفرائض كلها، وبالكفِّ عن كل ما حرَّم الله عز وجل، ثم بعد ذلك له في ميدان الطاعات والمندوبات الميدان الفسيح، وهنا يتفاوت العباد؛ فبقدر ما تزكو النفس وتُخلِص لله تبارك وتعالى، ثم تأخذ من صنوف العبادات المندوب إليها، فإنها تترقَّى في درجات الكمال الإنساني.
وإذا أهمل، وظنَّ أنه يمكن له أن يقتصر على الفرائض فقط وعلى الكفِّ عن المحرَّمات، فإنه يُخشى عليه من السقوط؛ لأن الإيمان أشبه بالطاقة التي تحتاج إلى ما يجدِّدها في النفس، إلى ما يبعث في ثنايا القلب الحياةَ ليقرُب من الله تبارك وتعالى.
وإن كانت صنوف العبادات في رمضان لها مذاق خاصٌّ، فإنها في غير رمضان لها ألوان وأفنان من المطاعم والملذَّات؛ فيسهُل القيام في غير رمضان، يسهُل صنع المعروف أيضًا بعد رمضان في الأيام والليالي، هناك من القدرة على الإتيان بالعبادات البدنية ما لا يحصل في رمضان عادةً.
وكما أن استلهام معاني تنظيم الوقت هو أمر لا بد منه بعد رمضان، فهذه المحطة في صيام رمضان تعوِّد المسلم على أن يكون منظمًا لأوقاته؛ فلا أقلَّ من أن يستفيد من مثل هذا النظام لسائر العام، بحيث يحرص على أن يخصِّص –كما ورد في السؤال– أن يخصِّص أوقاتًا لوِرده من كتاب الله عز وجل ولمدارسته، لأهله فيما هو نافع مفيد، ولأنواع الطاعات التي يمكن أن تكون بينه وبين ربِّه تبارك وتعالى.
فهذه مما يجدِّد له الإيمان، ويبعث في نفسه مزيدًا من الإقبال على الصلاح، أمَّا إذا اقتصر على الحد الأدنى، وهو الكفُّ عن المحرمات والحرص على الفرائض، فإنه لا يأمن من مكر هذه الحياة الدنيا، ولا من وساوس النفس وغلواء هذه الحياة، وأن تسلبه بزخارفها وأهوائها وشهواتها؛ لأن زاده إنما اقتصر على الحد الأدنى.
ليس الأمر أيضًا بالعسير، فإنه يمكن له –مع إخلاص النية لله تبارك وتعالى– أن يجعل من أعماله المباحة التي يحتاج إليها صدقاتٍ تقرِّبه إلى الله تبارك وتعالى؛ فالحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «الإيمانُ بِضْعٌ وسَبْعُون شُعْبَةً، أعلاها كلمةُ لا إله إلا الله، وأدناها إماطةُ الأذى عن الطريق، والحياءُ شعبةٌ من شُعَب الإيمان».
فهناك الجانب الإيماني، وهناك الجانب العملي المتمثِّل في أدنى درجات العمل التي يمكن أن تصدُر من هذا الإنسان، وكذلك هناك الجانب الخُلقي ولو كان من الفطرة التي يزكِّيها هذا المسلم في نفسه، كلُّها إنما هي من شُعب الإيمان.
ولذلك يذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صنوفًا من الطاعات والعبادات، ولهذا حثَّ أيضًا على مواصلة الصيام بصوم النفل كصوم الست من شوال، وتحري صوم الأيام ذات الليالي البيض، وصوم الاثنين والخميس، وغيرها مما هو أيضًا مأخوذ من جنس العبادة المفروضة، كما هو الشأن في سائر صنوف العبادات أيضًا؛ لأنها مأخوذة من جنس ما افترض الله تبارك وتعالى، كأمر الصلاة، وأمر الصدقات، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وطلب العلم، والإكثار من ذكر الله تبارك وتعالى.
فلا بد له أن يأخذ قسطه من ذلك بحسب ما تقدَّم من حمل نفسه، وتذكُّر الباعث الذي يمكن أن يكون حافزًا له لمزيد من العمل، مع الالتزام بالنظام الذي أخذه من مدرسة الصيام.
والله تعالى أعلم.