⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما بعد، فالجواب: أن معنى قوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ يحتمل وجهين اثنين في تفسير العرش:
إذ يحتمل الانصراف إلى حقيقة العرش، بمعنى أنه ذات مخلوقة من مخلوقات الله تبارك وتعالى، وقد ورد أنه أعظم مخلوقات الله عز وجل، وحينئذ يكون معنى الآية أن ربنا تبارك وتعالى كان من مخلوقاته العرش، وكان العرش قبل السماوات والأرض، وأن هذا العرش، هذا الخلق العظيم الذي هو أعظم المخلوقات، كان على الماء، ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾، وسنأتي إلى معنى "على الماء".
ويحتمل أن يكون المقصود بالعرش المعنى المجازي؛ فالعربية، وورد أيضًا في كتاب الله عز وجل مثل هذا المعنى، تُطلق العرش دلالة على القدرة وعظيم الملك والسلطان. هذا المعنى المجازي أيضًا تشهد له آيات في كتاب الله عز وجل، كما تشهد للمعنى الحقيقي لكلمة العرش من القرآن الكريم أدلة من كتاب الله عز وجل، آيات لا تنصرف إلى المعنى المجازي، وإنما هي أقرب إلى المعنى الحقيقي. إذاً كلا المعنيين: الحقيقي والمجازي، مراد مقصود وتحتمله الآية الكريمة.
فيكون المعنى: أن قدرة الله عز وجل البالغة، وأن عظيم سلطانه قد امتد وشمل الماء، وكان عرشه على الماء، كان سلطانه على الماء. ولماذا خُص الماء بالذكر؟ لأنه من أشرف المخلوقات وأهمها لعظيم أثره في تشكُّل الحياة كلها، وفي بقاء هذه الحياة وديمومتها، فخُص بالذكر لعظيم شرفه، ولعظيم أهميته، ولجسيم خطره في هذه الحياة عند الخلق وأثناء ديمومة هذه الحياة واستمرار بقائها.
فإذاً لا يُشكل علينا معنى العرش: إن حُمِل على الحقيقة فهو واسع، وإن حُمِل على المجاز فهو واسع. مما يؤكد –للتقريب– الحمل على المجاز حينما يُقال: امتد حكم الملك الفلاني إلى منطقة ذات أهمية، يُقال: صار عرشه على تلك المنطقة، عرشه على المدينة الفلانية؛ بمعنى أن قدرته وهيمنته وسلطانه قد شمل مساحة واسعة، لكنه خُص بالذكر ذلك المكان أو تلك المدينة لأهميتها الاستراتيجية أو العسكرية أو لدلالتها أو لشرفها أو لعلم الناس بها. فكذلك الحال في المعنى المجازي.
ثلاث كلمات في هذه الآية، في هذا الجزء من الآية الكريمة، تساعد على فهم المعنى: "كان"، "العرش"، وحرف الجر "على". الماء معلوم جيدًا.
"كان" يصح أن تكون تامة: أي تمَّ مُلكه، ويصح أن تكون ناقصة ناسخة، بمعنى أن دلالة الزمن فيها مقصودة: فكان عرشه على الماء قبل خلق السماوات والأرض، فيصح فيها الوجهان.
و"على" تأتي بمعنى التمكّن والاستعلاء، وهذا يتناسب مع المعنى المجازي، ويتناسب أيضًا مع المعنى الحقيقي، وتأتي بمعنى الفوقية: ﴿عَلَى الْمَاءِ﴾، وهذا قول قالت به طائفة، ولا مانع منه، لأنه يدل على عظيم قدرة الله تبارك وتعالى؛ فلئن كان أقام السماوات بغير عَمَد، فإن إقامة العرش على الماء –وهو لطيف، مخلوق، جسم لطيف– أدعى إلى العجب من قدرة الله تبارك وتعالى وبيان عظيم سلطانه سبحانه، فلا إشكال أيضًا.
وأما الروايات الواردة في خلق ياقوتة، ومن هذه الياقوتة خُلِق الماء، ثم منها الدخان، ثم غير ذلك، فهذه من الإسرائيليات التي لا تصح، دلالات اللغة كافية لفهم الآية الكريمة فهمًا صحيحًا، ولا إشكال فيها أبدًا في هذا المعنى. إذاً ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ إن حُمِل على الحقيقة فذلك يدل على مخلوق هو أعظم مخلوقات الله تبارك وتعالى، أعظم من السماوات ومن الأرض، وأن خلقه كان سابقًا، وقد كلَّف الله عز وجل به طائفة من عباده من الملائكة بأنواع من العبادات متعلقة بخلق هذا العرش، وفي ذلك ما يبعث العباد إلى تعظيم المولى جل وعلا ذي السلطان الباهر والقدرة القاهرة.
وإن حُمِل على المجاز فإن المقصود أيضًا دلالة عظيم قدرة الله تبارك وتعالى وسعة سلطانه سبحانه. وكذا الحال بالنسبة لـ"على" و"الماء" كما تقدَّم، فإنه خُصَّ بالذكر لما تقدَّم من أهميته وشرفه ومنزلته، ولأنه منبع الحياة ومصدرها.
والله تعالى أعلم.