⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
فهو المقصود: التعميم، أي في الأقطار كلها في البر والبحر، فليس المقصود بذلك حصر الفساد في البر والبحر دون الجو، فما الجو إلا تابع لهذه الأرض، فالمقصود بذلك هو ما في هذه البسيطة، ما في هذا العالم.
لكن هنا تنبيه أو معنى لطيف لا بد من ذكره فيما يتعلق بهذه الآية الكريمة في قوله تبارك وتعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: 41]، فالآية تدل على ثلاثة وجوه، كثيرا ما أجد الناس يحصرون معنى الآية الكريمة في وجه واحد دون باقي الوجوه، وهذا الوجه الذي يحصرونه فيه هو الوجه الأبعد الذي لم يتحدث عنه أكثر العلماء.
لنذكر هذه الوجوه على جهة الإجمال قدر ما يتسع له الوقت إن شاء الله تعالى:
فحينما يقول: ظهر الفساد في البر والبحر، فالمعنى – الوجه الأول – هو ما يحصل من خلل؛ لأن معنى الفساد هو الخلل وسوء الحال، هو ضد الصلاح، فالوجه الأول هو ما يحصل من خلل في أحوال العالم في البر والبحر من القحط والجَدْب وشُحِّ الأرزاق وندرة الموارد، وما يصيب الأرض من كوارث، هذا هو المعنى الأول: ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس، فالباء هنا – أي عوضا، أي جزاء – ما، أي عوضا، أي جزاء ما كسبته أيدي الناس، واللام – «ليذيقهم» – للتعليل، هذا الوجه الأول، إذا الوجه الأول يتلخص في الخلل في الأحوال الطبيعية التي تحصل في هذا العالم.
الوجه الثاني هو ما أشار إليه السائل، وهو الفساد بمعنى الشرك والكفر بالله تبارك وتعالى والانحراف عن الصراط المستقيم، فيفشو في الناس؛ لأن الله تبارك وتعالى أوجد هذه البسيطة، أوجد الخلق على أصل الوحدانية له جل وعلا، والتدين له تبارك وتعالى، فأحدثوا في أنفسهم الإشراك والكفر والجحود ومقارفة السيئات: ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس، فهذا هو المعنى الثاني.
المعنى الثالث هو الخلل في نظام هذا الكون، في نواميسه وقوانينه وفي حركته، فيشمل الصورتين الأوليين: يشمل ما يتعلق بالخلل في مظاهر الطبيعة وما يُحدثه الإنسان في هذا الكون، في أعمال هذا الإنسان بالإشراك والكفر والجحود والانحراف ومقارفة الخطايا والسيئات، فينتج عن ذلك هذا الفساد الشامل الذي يكون خللا في نظام هذا الكون، ويكون المقصود بالبر والبحر في الآية التعميم في الأقطار كلها حيث وجد هذا الإنسان وحيث وجدت هذه الحياة.
إذا هذه الوجوه الثلاثة التي تُؤخذ من الآية الكريمة، ولذلك نص كثير من المفسرين على أن هذه الآية هي من أبلغ جوامع كَلِم القرآن الكريم، لما فيها من اكتناز معانٍ كثيرة، ولما فيها من موعظة بليغة في مفردات قليلة يسيرة.
فهذا هو المعنى، وبهذا يتضح أن ذكر البر والبحر لا يُقصد منه الحصر، وأن هذا الفساد الذي يحصل يحصل في جزء من هذا العالم دون جزء، وإنما يُراد من ذلك التعميم في الأقطار كلها، في برها وبحرها، وفي هذه الأرض بكل ما تشتمل عليه.
والله تعالى أعلم.