⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما الكلام عن استبطان المغيَّب منها، فهذا مما لا سبيل إلى الوصول إليه بالعقل، أما ما يتعلق ببعض حِكَمها وتبيُّن بعض أسرارها، وانكشاف الغطاء عن بعض المغيَّبات منها، كما هو الحال أيضا في تبيُّن بعض أسبابها، فإن هذا مما يُدرَك بالعقول.
وقول أهل العلم فيما يتعلق بأن هذا الدين جاء موافقا للعقل، للعقل السليم فيما تدركه العقول؛ فإن العقل لا يدرك كل شيء، حتى في المجال العلمي لا يدرك كل شيء؛ قد يرى الأثر لكنه لا يعرف المؤثر. إذا كنا في أعظم ما يتنافس فيه العالم اليوم في أمر الطاقة ـ على سبيل المثال ـ وهم لا يعرفون حقيقة الطاقة، يعرفون آثارها ويقسمونها باعتبار آثارها، لكن ما حقيقتها لن تجد تعريفا واحدا لها؛ فهل يعني هذا أن هذا العلم لا يقوم على العقل؟ قطعا لا، وإنما العقل يمكن أن يكتنه بعض هذه الغيوب وبعض هذه الأسرار، وحينئذ لا تكون مناقضة لما جاء به الدين الحنيف؛ هذا هو المقصود.
وإلا فما يتعلق بالعبادات نفسها؛ الكثير منها ـ كما يصنِّفه أهل العلم ـ أن منها ما هو معقول المعنى، ومنها عبادات غير معقولة المعنى، فلا يمكن أن يُعترَض: إن كانت هذه العبادات غير معقولة المعنى بأن هذا الدين مناقض للعقل؛ لا، لا، مدارك العقل لا تستوعبها، لأن الإنسان له مدارك محدودة وقدرات محدودة وطاقات محدودة، وهو خَلْق من خلق الله تبارك وتعالى، والله عز وجل موصوف بأعلى صفات الكمال منزه عن صفات النقص، ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾.
ليس بالضرورة أن يعرف الإنسانُ ما يحمد الله تعالى عليه حتى يلزمه، وقد يكون ما يجهله اليوم يمكن أن يتأتى لعقله أن يعرفه في الغد. فبعض الأمور ـ على سبيل المثال ـ حتى في أمسط المحرمات التي ندرك نحن اليوم أسرارها وحِكَمها، كالنهي عن الخمور؛ ما كان الرعيل الأول من الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم يعرف المضار والمفاسد على المستوى الفردي، على صحة هذا الإنسان من جراء الخمور، فالمنافع التي كانوا يتصورونها إنما هي في التجارة وما يحصلون عليه من أموال من ورائها، أما ما وراء ذلك مما يمكن أن يصيب بني البشر منها، ما توصَّل إليه العلم إلا أخيرا، أي بحد الجزم القاطع أنه لا نفع فيها أبدا لهذا الإنسان ولو كانت قليلة يسيرة، وأنها ـ أي الخمرة ـ ضارَّة مفسدة للبدن والصحة والملكات والقدرات في أي قدر منها وبأقل كمية منها.
وهذا الذي توصل إليه لم يتوصل إليه علماء مسلمون، وإنما توصل إليه علماء لا ينتسبون إلى الإسلام، وهم في ثقافتهم وفي معيشتهم لا يجدون ما يمنعهم من شرب الخمور، ولا يستندون إلى نصوص دينية يعولون عليها حتى يُزعَم أنهم أرادوا الانتصار لتلك النصوص الدينية. وكذا الحال في كثير من الأمور وفي كثير من المغيَّبات.
حتى لا نخرج عن هذه الدائرة، دائرة الابتلاءات وإدراك العقل لها: الابتلاءات أصناف، أعظمها وأخطرها ما يكون فتنة في الدين، ونحن نرى مجتمعات من حولنا تُفتَن في دينها، فتتخلى عن ثوابتها ومبادئها، فنحمد الله تبارك وتعالى أن بلاءنا لم يكن في ديننا.
ثم يلي الابتلاءَ في الدين الابتلاءُ في العقول والقلوب؛ في العقول بذهابها، بتسبب أو بدون تسبب، بذهابها بالكلية بما يصيبها من الجنون، أو ما تعاقره من مسكرات ومخدرات وما يعطل قدراتها، أو بتمرغها في أوحال الشبهات، فتصبح في حيرة وشبهة وأباطيل ومزاعم، فلا تعرف للحق سبيلا ولا ترفع للحقيقة رأسا، وتوغل في غيِّها وضلالها.
ومن هذه الابتلاءات ـ أي من هذه الدرجة ـ ما يصيب القلوب أيضا من القسوة، ومن أمراض الكِبر والغرور والحسد والتباغض وما سواها من الأدواء التي تصيب القلوب، فتحيل هذا الإنسان إلى أن يكون وحشا كاسرا في هذه الحياة، وتجرِّده من إنسانيته، تطمس فيه معالم الرشد والخير والخلق والفضيلة والقيم والآداب.
وكم رأينا من مجتمعات وأفراد تتمرغ أيضا في أوحال هذه الفتن، لكن الله تبارك وتعالى لطف بأهل هذا البلد، فأصابهم في أنفسهم وفي أموالهم، لكنه لم يبتلِهم في دينهم بحمد الله عز وجل وفضله علينا، ولا في عقولهم وقلوبهم، بل إنهم لجؤوا إلى دينهم، وإلى مراشد عقولهم، وإلى يقظة قلوبهم في مواجهة لأواء هذه الشدة والمحنة التي مرت بالبلاد، لكي يخففوا من آثارها، ولكي يواسي بعضهم بعضا، ولكي ينتفعوا منها عبرا وعِظات لقادم أيامهم، وهذا من فضل الله تبارك وتعالى وحده علينا.