⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
هنالك –وهنا تأتي الرؤية القرآنية– ثلاثة عناصر مهمَّة فيما يتعلَّق بالرؤية القرآنية للزمن: الجانب العقدي، والجانب العملي التشريعي، والإنسان.
النظرية –الرؤية القرآنية للزمن– لا تخرج عن هذه العناصر الثلاثة.
فرَّط المسلمون في هذه القراءة –سنأتي إلى شيءٍ من بسطها– وكرَّروا ما يقوله غيرهم، وحبسوا أنفسهم أسرى لحوادث تاريخية ماضية، وما انتفعوا بهذه النعمة العظيمة...
أما في جانب العنصر الأول –هو جانب، الجانب العقلي– الزمن هو من أعظم الأدلة على وحدانية الله تبارك وتعالى؛ نعم، لأن الزمن حادث، لا بد له من مُحدِث، فهو مرتبط بالمكان والتحيُّز والمادة، مع وجود حركة، قد تكون هذه الحركة منتظمة وقد لا تكون منتظمة، وهنا يأتي دور الزمن.
إذاً الزمن وليد هذه العناصر التي هي كلُّها حادثة، ممَّا يعني أن لها مُحدِثًا، وهو الله تبارك وتعالى: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾، ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ تمهيدٌ لإيجاد الزمن: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾، ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾، ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾، وقال في يونس: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾.
إذاً ربُّنا تبارك وتعالى يلفِت أنظارَنا إلى أن نقيم الحُجَّة على غيرنا أن هذا الزمن –الذي هو وعاء هذه الحياة، الظرف الزماني لأعمار بني البشر كلِّهم– ما هو إلا أمرٌ حادث، وحدوثه يقوم عليه بُرهان العقل؛ لأنه وليد للمكان والحركة والمادة والتحيُّز، الفراغ –يعني ليس الفراغ بمفهوم العدم، الفراغ بمعنى التحيُّز–، فلَئِن كان الزمن كذلك فلابد أن يكون حادثًا، وأن له مُحدِثًا، وهذا المحدث لا تسري عليه هذه القوانين، لا تسري عليه أسباب وعوامل المادة والمكان والتحيُّز والزمان؛ هو الأول والآخر، هو الظاهر والباطن، هو الخالق سبحانه وتعالى، هو الفاطر جل وعلا.
لكن لم يلتفت المسلمون إلى هذا المعنى أبدًا، ولا يزال بعض ناشئتهم يُحدِث عنده كثيرًا من الخلل والغبش بسبب إثارة هذه الشُّبهات حول معنى الإله الخالق، وكأنه –يعني– وثنٌ أو صنمٌ تجري عليه قوانين المادة؛ مشكلة كبرى في التصوُّر، ولا بد أن تُصحَّح؛ فالزمن –ولهذا الآن نفهم لماذا يُقسِم الله تبارك وتعالى بهذه الأوقات، لماذا يُولي الزمن هذه العناية–: ﴿وَالْفَجْرِ﴾، ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾، ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾، ﴿وَالضُّحَى﴾، ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾، ﴿وَالْعَصْرِ﴾؛ لماذا يُولي؟ لأن فيها إقامة حُجَّة على الغير أن لهذا الكون بكل ما فيه من عناصر مكوِّنةٍ له، مُوجِدةٍ للحياة فيه، إنما هو من خَلْقِ الله تبارك وتعالى، وهذا الخالق لا تسري عليه، فهو موصوف بالكمال، مُنزَّه عن النقائص.
قلنا إذاً: العنصر الأول هو الجانب العقلي.
العنصر الثاني: الجانب العملي التشريعي؛ أيضًا حينما تسمع خطاب الوعظ والتفقِّيه ستجد أنه يقتصر –على سبيل المثال فيما يتعلَّق بالزمن والوقت– على مواقيت الصلاة على سبيل المثال، وإن تَعَدَّى فإنه سيتعدَّى إلى ما يتعلَّق بمواعيد الصيام، الحج، ومواقيت الحج، مع أن المسألة أكبرُ من ذلك بكثير.
كتاب ربنا تبارك وتعالى مرتبط بالوقت؛ نعم، علماء الإسلام نظروا إليه كذلك؛ قسَّموه بين المكي والمدني لأجل أن يفهموه ويتدبَّروا معانيه، قسَّموه –من جملة الاعتبارات التي نظروا بها إلى القرآن الكريم– الوقت: القرآن المكي، القرآن المدني، ما نزل بليل، ما نزل بنهار، ما نزل بصيف، ما نزل بشتاء، له دلالات، ما نزل متقدِّمًا وما نزل متأخِّرًا؛ نظروا إلى كتاب الله عز وجل هكذا، وإلى سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كذلك.
أمَّا في العبادات فحدِّث ولا حرج، في الجوانب التشريعية فحدِّث ولا حرج؛ لا يقتصر الأمر على الشعائر التعبُّدية من صلاة وصيام وزكاة وحج، وإنَّما يتعدَّاها إلى المعاملات المالية: متى يجوز البيع ومتى يحرُم، الأوقات التي يحرُم فيها البيع، شروط بعض البيوع مرتبطة بالأوقات –السَّلَم على سبيل المثال– وبيوع النَّسَأَة: الممنوعة منها والجائزة، مرتبطة بالأوقات في فقه المعاملات المالية.
في الأحوال الشخصية: متى يكون الزواج، متى يكون الدخول، مدة الحمل التي يُلحَق بها النَّسَب والتي لا يُلحَق بها النَّسَب، مدة الرَّضاع، في حالة الطلاق: العِدد، التربُّص، في حالة الوفيات: العِدد والتربُّص، واختلاف الأحوال بين حالةٍ وأخرى؛ الكثير من الأحكام الشرعية المرتبطة بالأحوال الشخصية مرتبطة بالزمن والوقت.
هذا الجانب العملي، الجانب العملي يعني لا يمكن أن يُحصَر؛ يكاد –لا مبالغة– إذا قيل بأن الجوانب التشريعية العملية في حياة المسلم عنصرها الأول هو الوقت، هو الزمن؛ نعم، وهذا لا غرابة فيه؛ لأن هذه الأنفاس إنما هي الوعاء، هي أعظم نعمة يمكن أن يستغلَّها هذا المكلَّف لكي ينطلق من هذه الحياة الفانية إلى الحياة الأبدية.
نعم، وهذا يرتبط بالجانب الأول، الجانب العقلي؛ أن التقسيم الأبرز أيضًا في كتاب الله عز وجل –سأرجع قليلًا– هما تقسيمان: الأول المتعلِّق بالزمن؛ الأول يتعلَّق بتوقيت الدنيا وأبديَّة الآخرة؛ نعم، هذا زمن: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾، ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾؛ فهذا، هذه الرؤية تُصحِّح الكثير من الآثار في حياة هذا المكلَّف.
والأمر الثاني: الغيب والشهادة؛ هذا الزمن إنما هو باعتبار عالم الشهادة، لكن المكلَّف –لكن المسلم– مطلوبٌ منه أن يؤمن بعالم الغيب؛ فلئن كان عالم الشهادة هذا، وفيه من التعريفات والمفاهيم والآثار والمصطلحات الشيء الكثير مما يصعب جمعه –كما تفضَّلتم في المقدمة– ممَّا طرحه القدماء والفلاسفة والمتكلِّمون والمفكِّرون وغيرهم؛ فكيف بعالم الغيب الذي هو خارج هذا الإطار، وهو مختلف تمامًا؟
إذاً يعني هذا يتَّصل بالجانب العقلي، لكن لنرجع إلى الجانب العملي الذي لا ينفكُّ عن جانب العقيدة؛ فإن إيلاء هذه النعمة حقَّها، وتوفيتها واجب الشكر بحسن أداء ما أمر الله تبارك وتعالى يشمل كل جزء وفرع من أعمال هذا المكلَّف: في الشعائر التعبُّدية، في الأحوال، في المعاملات، في السِّلم والحرب، في العلاقات مع الآخرين، في منظومة الأخلاق والقِيَم؛ إذا كان خصلة واحدة يختلُّ فيها الزمن، يتخلَّف فيها الزمن قصدًا، تجعل هذا المرء من صنوف المنافقين؛ قال: «وإذا وعد أخلف»؛ ما الذي يُخلِفه؟ يُخلِف موعدَه، موعدًا زمنيًّا لآخر؛ فيقول: من خصال أهل النفاق أنه إذا وعد أخلف.
قلنا: العنصر الثالث ماذا؟ قلنا: العقائد، الجانب العملي، ثم الإنسان؛ الإنسان.
تركيز القرآن الكريم في الرؤية للزمن يتَّجه إلى هذا الإنسان؛ نعم.
لو استعرضنا المفردات المتعلِّقة بالزمن في القرآن الكريم سنجد أنها في أغلبها تتَّجه إلى ما يهمُّ هذا الإنسان وإلى ما يعنيه في المقام الأول من الزمن؛ فلا تتعرَّض للزمن باعتباره –أو باعتباره النسبي– أو باعتبار حركة هذا الوجود بعيدًا عن تأثُّر هذا الإنسان، وإنَّما تتَّجه إلى هذا الإنسان في حياته لصياغة هذا الإنسان المبوَّأ مبوأ التكريم، الذي حمل هذه الأمانة.
يوم، شهر، سنة، حول؛ الظُّروف الزمانية المستعمَلة في كتاب الله عز وجل مما يتعلَّق –كما قلنا عند النحاة– بظرف الزمان أو ظرف الأفعال، كلُّها تدور –أو أغلبها– يدور حول هذا الإنسان؛ فليس هناك –حاشى كتاب الله عز وجل– شطَحات فكرية، مجرَّد نظريات فارغة جوفاء لا تمتُّ إلى هذا الإنسان بصِلة، بل كل ما يتعلَّق بالزمن يتَّصل بالإنسان، بحركة هذا الإنسان.
ولذلك نجد الخطاب: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾، فحركة هذا الإنسان هي المقصودة بأن تُؤطَّر بهذا الإطار الزماني.
ولذلك نجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يؤكِّد هذا المعنى: «لن تزول قدمُ عبدٍ –رواية الترمذي–»، وفي رواية أخرى أيضًا عند الترمذي: «قدَما عبدٍ من عند ربِّه يوم القيامة حتى يُسأل عن خمس: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وماذا عمل فيما علِم؟»؛ خمسة أسئلة كلها تدور حول هذا الإنسان وصلته بالزمان، وعن مرحلةٍ خاصة من هذا العمر –وهي الشباب–، وعن ماله: من أين اكتسبه وفيما أنفقه في هذا الإطار الزماني، في حياته وفي سِنِيِّ عمره، وعن ما عمل فيما علِم.
وكذا أيضًا الحال في رواية الحديث المشهور الذي حسَّنه كثيرٌ من علماء الصنعة: «اغتنِم خمسًا قبل خمس: شبابَك قبل هَرَمِك، وصحَّتَك قبل سَقَمِك، وحياتَك قبل مماتِك، وفَراغَك قبل شُغلِك».
إذاً حتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حينما كان يغرِس في نفوس –هذه الرواية الأخيرة كانت في موعظةٍ وعظَها رسول الله صلى الله عليه وسلم لبعض أصحابه– فكان يغرِس فيهم هذا المعنى: أن هذا الزمن هو أثمن ما أُعطوا إياه من ربِّهم تبارك وتعالى، وأن عليهم أن ينتفعوا منه أقصى ما يمكن، أحسن الانتفاع، حتى يُحقِّقوا المقاصد التي يبتغونها.
إذاً هذه هي رؤية القرآن للزمن؛ يمكن أن يُفصَّل، ولكن تنبثق من هذه العناصر الثلاثة.
والله تعالى أعلم.