⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
فالجواب هو أن هذه المواضيع لا يكفي فيها الحد الأدنى، فبر الوالدين أمر عظيم، والقيام بشأن الوالدين لا يقتصر فيه الأمر على حد الكف عن الإساءة؛ إذ مقتضى هذه المحرمات المذكورة في هذه الآيات الكريمة هو الامتناع والكف، لكن هذا لا يليق بمقام حقوق الوالدين.
نعم، ولذلك كان تقدير الكلام: عدم الإساءة إلى الوالدين، إلا أن المأمور به لا يقف عند حد كف الإساءة إلى الوالدين الذي يُفهم من النهي؛ فالنهي يدل على الوقوف عند الحد الأدنى الممنوع، وأما ما سواه فإنه يكون غير ممنوع، قد يكون مباحا وقد يكون واجبا.
لكن هذا الحد الأدنى لا يصلح فيما يتعلق بالمأمور به في هذا السياق القرآني؛ لأنه ورد بصيغة الأمر في الكيل والميزان والعهد والقول، ففيها جميعا، ومنها وفي صدارتها بر الوالدين، أريد لفت النظر إلى أن القيام بهذه الحقوق لا يقتصر على الامتناع والكف عما هو ممنوع، بل المراد من ذلك المبالغة في القيام بهذه الأمور، في أدائها على أكمل وجه وعلى أحسن ما يمكن، ولذلك كان السياق سياق أمر بها لا سياق نهي عما هو ممنوع بشأنها؛ فلذلك قال: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، أي ببر الوالدين والإحسان إليهما إحسانا عظيما.
هذا المعنى لا يحصل لو كانت الصيغة صيغة نهي: «ولا تُسِئْ إلى الوالدين»، فعدم الإساءة إلى الوالدين ليست هي الحدَّ المطلوب، المطلوب من ذلك هو ما يجاوز هذا الحد الأدنى الذي يقف عند الامتناع عن الإساءة إليهما إلى درجة الإحسان والبر وحسن الرعاية وجميل القيام بالشؤون، فلا يحصل ذلك إلا بصيغة الأمر، وكذا الحال فيما يتعلق بالوفاء بالكيل والميزان، فلا يقتصر الأمر عند حد أن يكيل ويزن دون زيادة أو نقصان، بل المراد إلى البواطن والخفايا التي تُفْضي بالمكلَّف إلى أن يفي هذا الأمر حقَّه، وكذا الحال بالنسبة للقول، فإن المقصود هو الطِّيب من القول.
ولذلك جاءت في هذه الصيغة، في هذه الآيات من سورة الأنعام، بصيغة الأوامر في سياق أن السورة صدرت بقول الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾، فيُفهم من ذلك أن المتلو المأمور به الذي يرد في السياق هو من المحرمات، لكن الحكمة من وراء الإتيان بهذه القضايا سياقَ الأمر بها لا النهي عنها هو ما تقدَّم من عظيم شأنها، ومن أن المطلوب في الامتثال بإتيانها لا يقف عند حد الامتناع عمَّا هو منهيٌّ عنه في شأنها، وإنما يجاوز ذلك بكثير إلى درجة الإحسان والوفاء والإتمام على أكمل وجه، والله تعالى أعلم.