⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
الجواب: ترد الأعداد في كتاب الله عز وجل، وهي على نوعين: إمّا أن يكون المقصود بها خصوص العدد، أو أن يكون المقصود بها التمثيل لا خصوص العدد؛ فقد تكون المقادير المذكورة بالأعداد مقصودة، وقد يكون المعنى لا يقتصر على العدد المذكور.
سنضرب بعض الأمثلة: مثلًا في قوله تعالى: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾، ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك: 4]؛ جماهير أهل العلم أن المرتين لا يرجع بعدهما البصر خاسئًا، وإنما المقصود – على معهود أهل اللغة – أي مرّةً بعد مرّة، مرة بعد مرة، مرة بعد مرة، فالعدد هنا ليس مقصودًا لذاته.
في قوله تبارك وتعالى: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾، ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾ [البقرة: 96]؛ العدد هنا ليس مقصودًا، وإنما المقصود بيان التكثير الذي يتمناه هذا الإنسان؛ فالمبالغة في بيان ما يرجو أن يُعمَّرَه هذا الإنسان ناسَب أن يُذكر معه الألف، فالعدد هنا إذًا ليس بمقصود.
في الرواية التي يشير إليها في قول الله تبارك وتعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ، إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: 80]؛ الاستشهاد ليس في أنه كان يستغفر لهم ويزيدهم، لأن الآية القرآنية تدل على التيئيس، هذه التسوية: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ منها التيئيس أن ذلك لن ينفعهم؛ فأدنى مُلِمٍّ باللغة ومعانيها ودلالاتها يُدرك أن المقصود إنما هو التيئيس وليس حصر العدد.
وأما قوله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ، لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: 2-3]؛ كثير من المفسرين يرون أن العدد مقصود، وأنها خيرٌ من نيفٍ وثمانين سنة – أي مقدار الألف شهر – وهناك من المفسرين، وقولهم هذا له وجاهة وهو أكثر إقناعًا، من يرى أن ذِكر هذا العدد إنما هو للتكثير، لتكثير البركة.
والحقيقة أنه على القولين لا فرق؛ عند من يرى أن العدد مقصود، وعند من يقول بأن ذكر العدد إنما هو للتكثير؛ لأن الآية الكريمة تقول: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ، لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ﴾ من ألف شهر؛ هذه الخيرية لم تُبيَّن، هي خيرٌ على الإطلاق من ألف شهر: خيرٌ في البركة، وفي الإنعام، وفي الفضل، وفي اللطائف، وفي المقادير الربانية التي يُضفيها المولى، لم يُذكر ذلك، لكنها خير من ألف شهر، فمهما كان هي – من حيث قدر خيريتها – لم يُبيَّن في الآية الكريمة؛ ليَسْبَحَ بعد ذلك الخيال في هذا الفضل من الله تبارك وتعالى الذي يُضفيه على هذه الليلة المباركة.
فلا يكون الفارق كبيرًا على كلا القولين؛ الذين يرون أن المقصود هو التكثير استندوا إلى مثل قوله تعالى – إن الألف يُستعمل للتكثير كما تقدّم: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾. والذين رأوا الحصر بالعدد استندوا إلى أن القدر هذا، مع القدر المعلوم، هذا مقصود، واستندوا إلى بعض الآثار، بعض الروايات…
والله تعالى أعلم.