⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
روعة البيان هي الأصل في كشف عظمة كتاب الله عز وجل، أما وجوه هذه العظمة فهي كثيرة؛ فهناك الجانب التشريعي، وهناك الجانب الإيماني والوعظي، هناك ما يتعلق بالترغيب والترهيب، هناك ما يتعلق بكشف نواميس هذه الحياة وسننها، وهناك ما يتعلق بما يحتاج إليه الإنسان في معاملاته مع غيره من بني البشر، في الاجتماع والمال والسياسة، وفي السِّلْم والحرب وغيرها.
لكن الوعاء الجامع لكل هذه الوجوه إنما هو البيان؛ ولذلك فإن القارئ حينما يستلِذُّ ببيان كتاب الله عز وجل لا بد أن يدفعه ذلك إلى أن يتدبّر في معاني هذا البيان البديع: ما الذي يشتمل عليه؟ ما الذي يدل عليه؟ كيف تتجاوب نفسه مع ذلك الذي يقرؤه ويتلوه ويتدبّره؟ ما أثر ذلك كله في إعادة صياغته في هذه الحياة، وتصحيح نظرته إلى نفسه، وإلى خالقه سبحانه وتعالى، وإلى الكون من حوله، وإلى حقيقة وجوده في هذه الحياة؟ كيف يتمثل الآخرة، وما الذي يُعدّه لها حينما يعيش مع القرآن الكريم؟
فلا ينبغي له أن يفوت هذه المعاني والدلالات؛ فليس المقصود أن يلتذَّ بما يمكن أن يُقال: بنغمة القرآن الكريم، وإنما المقصود أن يُحدث ذلك أثرا في نفسه، وأن يحرِّك له جوانب قلبه.
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ، وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82]، ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ، أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: 24]، وهذا يعني أن قلبه سيتجاوب مع ما يقرأ، وأن عقله سيتحرر من كثير من القيود والآثار والخرافات والأوهام والأساطير التي كانت حائلة به، وسيغدو شخصا آخر موصولا بالله تبارك وتعالى، مدركا لحقيقة هذه الحياة الدنيا، فاهما لأسرار التشريع، ضابطا لحركة حياته، موجها لأخلاقه.
فهذا هو المقصود؛ فليس المقصود بحلاوة التلاوة وبأثر بيان القرآن الكريم أن يكون محصورا في هذا الوجه دون أن يحدث أي أثر فيه.
والقرآن الكريم يدعونا إلى ذلك، هو نفسه القرآن الكريم يحرك فينا هذه الجوانب؛ حتى حينما يعرِض حكما شرعيا مجردا، فحينما نأخذ –على سبيل المثال– ما يتعلق بالشعائر التعبدية، بالفرائض، نجده في الصلاة يقول: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: 45]، وفي الزكاة يقول: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: 103]، وفي الحج يقول: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: 197]، ويقول: ﴿وَتَزَوَّدُوا، فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى، وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: 197].
هكذا في سائر الأحكام الشرعية التي يجد الناس غالبا نظائر لها في قوانين أو في قوانين وضعية، فهذه تأتي مجردة في هذه القوانين والتشريعات الوضعية، لكنها في كتاب الله عز وجل تُخاطب الضمير والعقل والقلب والوجدان، وتحرك هذه النفس، وتجعل القارئ مدركا لأن هذا التشريع إنما هو من عند خالق هذا الإنسان، من عند الحكيم الخبير السميع البصير الذي لا تخفى عليه خافية، ولا يطغى جانب على آخر، بل هناك توازن في كل هذه الوجوه التي يتناولها القارئ من كتاب الله عز وجل.
إذًا الحاصل أن الوعاء البياني هو الأصل، وهو سر الإعجاز في كتاب الله عز وجل، لكنه ليس صنعة لغوية مجردة، ليس مجرد نظم كلام، وإنما هو –بروعته وإبداعه وإعجازه– فيما اشتمل عليه من المعاني، وفيما احتواه من هذه الوجوه المذكورة، وفيما يُحدثه من أثر لدى المتلقي.
ولذلك فإن القارئ عليه أن يهيِّئ نفسه لمثل هذه المعاني، وأن يغتنم هذه الفرصة؛ فالسائل الكريم –بارك الله فيه– أشار إلى معنى دقيق: أنه يجد لذَّة القرآن الكريم، وأنه يتسلق في المعاني؛ إذا ليغتنم هذه الفرصة، طالما أنه حاضر الذهن، حاضر القلب، متهيِّئ لتلقي أنوار هداية كتاب الله عز وجل، فلا ريب أنه سيجد حلاوة ولذَّة، وسيجد أثرا –بإذن الله تبارك وتعالى– في تلاوته لكتاب الله عز وجل بإذن الله تعالى.