⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
الجواب: نحن هنا لا نتحدث عما هو عند الناس من الأعراف والتقاليد –نعم– فهذه نعم تتغير بتغيُّر عادات الشعوب، وبتغيُّر أنماط الحياة، ولا إشكال في ذلك، طالما أنها لا تَمسُّ ما هو معلومٌ من أخلاق الدين.
الأخلاق هُويَّة: هُويَّةٌ للمجتمع، هُويَّةٌ للأوطان؛ بها يُحكَم على هذه الأوطان، وبقدر ارتقائها في سُلَّم الأخلاق فإنها تُوصَف بالحضارة والرُّقِيِّ في مختلف مجالاتها: في علومها ومعارفها، في آدابها وفنونها، في معاملاتها، في علاقاتها الداخلية، بل حتى في علاقاتها الدولية مع سائر الأمم والشعوب، وبقدر انحسار الأخلاق فيها، انحطاطِها هي عن الأخلاق والقيم، فإنها ستنسلخ من هُويَّتِها، وأيضًا سيُنظَر إليها باحتقار؛ لأنها إما أن تكون تائهة متخبِّطة حائرة، تَلتمِس من هنا وهناك، فتلبس لَبُوسًا غير ثوبها، ويأتي هذا اللَّبُوس مُرَقَّعًا بمئات الرُّقَع من هنا وهناك، أو أن تكون مُقلِّدةً لغيرها ولو كان من أشدِّ مَن ألَدِّ أعدائها، وهذا دليلُ الهزيمة النفسية التي تُصيب هذه المجتمعات.
ولذلك قلتُ: سأتحدث بصراحة؛ لا مَناص، ليس هناك هروبٌ مما سَمَّيتموه أيقونةَ الأخلاق، لا هروب، لا مفرَّ منها؛ من الآخر –الجواب من الآخر– لا مفرَّ منها؛ لأنك أيها العبد تحت بَصَر الخالق العليم الخبير؛ ولأنه –كما قال– ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18]، ولأنك الكلمةُ إما أن تكون من رِضوان الله تبارك وتعالى، فتبلغ بالعبد منازلَ الأنبياء والصِّدِّيقين والشهداء، أو أن تكون من سخط الله تبارك وتعالى، فتهوي به في نار جهنم والعياذ بالله، والعياذ بالله.
لا، لا بد أن نُدرك هذه الحقيقة، لا بد أن نتعرَّف على الأخلاق؛ نعم، الأخلاق فيها ما هي ثوابت، وفيها ما فيه سَعَة، ما يمكن أن يكون فيه قدرٌ من المرونة؛ هذه لا إشكال –يعني– حتى فيما يتعلق باللِّباس؛ ليس المقصود هو الانسلاخ من هُويَّتِنا –لنقل: الوطنية– المبنية أيضًا على تراثِنا وحضارتنا، وعلى ما نرغب أن نُعرَف به الآخرين عنَّا، لكن على أن لا تخرج عن حدود، عن الشروط والضوابط الواردة في شرعنا الحنيف، مما يتصل باللباس للذكور والإناث.
الحاصل أن هؤلاء اليوم ما عادوا يتحدثون عن هذه المساحة؛ كما سمعنا في السؤال، يأتون بتقليعاتٍ غريبةٍ في تصفيفات شعرهم، وفي ألوان شعرهم، وفي ما يضعونه على وجوههم وفي ملابسهم، وكأنك ترى هذا إما وكأنه آتٍ من بيئةٍ أخرى غريبة، لا تمتُّ إلى مجتمعنا بصِلَة أبدًا، وهو يَظنُّ أنه قد حاز قَصَبَاتِ السَّبْق، أو أنه أتى بما لم يستطِعه الأوائل، وفي الحقيقة هو يَهوي في دَرَكات الانحطاط والانِسلاخ.
أيُّ خير يُرجى من مثل هذا؟ وأيُّ بناء يمكن أن يُتَوَقَّع من مثله؟ وأيُّ علمٍ يمكن أن يُشارك به؟ وأيُّ معرفة يمكن أن ينشرها؟ وأيُّ أدب أو قولٍ حسنٍ يمكن أن يُبسِطَه في المجتمع؟
إذا لا بدَّ لنا من وقفةٍ حازمة؛ لا يعني الحزم هنا العنف أو القسوة، وإنما تعني أن نتعاون على البرِّ والتقوى، وأن نُصلِح أحوال أنفسنا، وأن ننهض بمجتمعاتنا خُلُقيًّا؛ فلو فاتنا أن نَحوز قَصَبَاتِ السَّبْق في العلم والتقنية والمدنيَّة، فكيف يَسوغ لنا أن نُفَرِّط في أثمن مواريثنا، وفي أعزِّ ممتلكاتنا، وفيما يُصَوِّغ لنا هُويَّتَنا وهو الأخلاق؟