⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أحسنتم إذ بدأتم بالبؤرة التي كانت النبتة للدولة الإسلامية، وهي حادثة الهجرة من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة بهذه الألوان من الثقافات والقبائل وطبيعة المجتمع في المدينة المنورة.
وسأذكر ملامح؛ إذ إن استيعاب هذا الموضوع يحتاج إلى حلقات. تمام.
القضية الأبرز التي تعاني منها الكثير من المجتمعات والدول اليوم هي قضية النازحين إليها، قضية الهجرة، حقوق المهاجرين، كيف نعالج قضايا ما يُعرف باللاجئين والنازحين؟ نعم، هذه كانت الأولوية الأولى لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليه الصلاة والسلام، وابتدأ بها فور وصوله عليه الصلاة والسلام، بل ابتدأ بها أن يصل إلى المدينة المنورة، وإطارها العام: المؤاخاة أو التآخي بين المهاجرين والأنصار.
وهي عملية استمرت، لم تكن عند أول وصوله عليه الصلاة والسلام، بل كانت ممتدة إلى آخر سنوات الهجرة؛ لأن الكثير من الناس يظنون بأنها كانت في الفترة الأولى. نعم، ابتدأت إبان وصوله عليه الصلاة والسلام إلى المدينة المنورة، إدراكًا منه لما يمكن أن تحدثه هذه الهجرة – جماعات وافدة – على مجتمع أمٍّ غريب عنهم؛ فابتدأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بجانب إزالة أي عائق يحول بين تحقق تماسك هذا المجتمع، عبر – كما قلت – العنوان العام هنا وهو المؤاخاة أو التخيي بين المهاجرين والأنصار.
ولم تكن عملًا ارتجاليًا، كان مخططًا له؛ كان كل مهاجر يتخذ له رسول الله صلى الله عليه وسلم أخًا له من الأنصار بما يناسب طبيعته وأخلاقه واهتماماته، لم تكن المسألة مسألة عشوائية وأن كل أحد يختار من شاء، بل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حريصًا على التفرس في من هو أقرب طبعًا إلى أخيه من المهاجرين بين المهاجرين والأنصار.
وعزّز في هذا الإطار الجانب الإيماني المعنوي، نعم، ولذلك وصل بهم الحال إلى أنهم كانوا يظنون أنهم يتوارثون.
الجانب الآخر: أنه كما وسَّع، كما أثنى على الأنصار في حسن وفادتهم، في حسن استقبالهم لإخوانهم المهاجرين، فإنه أرشد المهاجرين أيضًا إلى التعفف، وإلى السعي فورًا إلى اكتساب الرزق، نعم، وأنشأ المؤسسات الدينية التي تعينهم على ذلك، بدءًا بمسجد قباء ثم مسجده الشريف صلى الله عليه وآله وسلم عليه الصلاة والسلام؛ هذه الخطوات كلها يراد منها تخفيف آثار الهجرة، معالجة مشكلة اللاجئين بمفهومنا المعاصر اليوم.
المدينة في حقيقة الأمر لم تكن مثل مكة؛ مكة كانت مدينة لها مركز، البيت العتيق كان مركزها، وكانت الأحياء حولها، والفِجاج والأبواب كلها كانت تؤدي إلى مركزها، إلى البيت العتيق. نعم، لم تكن المدينة كذلك؛ كانت المدينة أحياء موزعة – لا ينتبه كثير من الباحثين – كانت أحياء موزعة وكانت قرى مقطعة الأوصال، نعم؛ لذلك لما وصف الله تبارك وتعالى اليهود قال: ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ﴾ [الحشر: 14]؛ لبني قينقاع سبعة إلى ثمانية حصون، نعم، في قريتهم من سبعة إلى ثمانية حصون هكذا عد المؤرخون.
وهنا ندرك طبيعة المدينة، كانت مقطعة الأوصال أحياء، ونظرًا للحرب الطويلة التي كانت بين الأوس والخزرج نستطيع أن نفهم لِمَ لم تكن فيها، لم تكن مدينة ذات مركز. نعم.
ما الذي فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه الصلاة والسلام لجمع هذه الأوصال المشتتة؟ بنى مسجده في وسط هذه المدينة، في وسط هذه القرى؛ ولذلك سنقرأ رواية لما قال: «أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ الْقُرَى»، الرواية عند الصحيحين نعم من طريق أبي هريرة، رواية صحيحة؛ حينما سأله بنو عمرو بن عوف الذين نزل فيهم ومكث فيهم ما يقرب من عشرين يومًا، جمعتين وانتقل في الثالثة، فلما طلبوا منه البقاء والمكث عندهم قال: «أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ الْقُرَى».
الكثير من المفسرين من شراح الحديث يقولون: تأكل القرى بالغلبة والانتصار، نعم، والحقيقة: هي تأكل القرى أي تستوعبها وتضمها إليها. نعم، ولذلك اتخذ مسجده لما ذهب إلى بني النجار وطلب منهم حائطًا، لأنه كان متوسطًا يمكن له أن يجمع قرى – أو أحياء لنقل – المهاجرين والأنصار، أحياء المدينة المنورة؛ فاتخذ مسجده هناك ليكون مركزًا؛ إذًا هذه من الخطوات التي تؤسس الاقتصاد.
فحص الأسواق، وهذه قضية بالغة الأهمية؛ فرأى أن النشاط الاقتصادي إنما هو بأيدي اليهود، نعم؛ سوق بني قينقاع كان فيها – كما يقول كتاب السيرة – ثلاث مئة محل لصاغة الذهب، ما شاء الله، سوق بني قينقاع وحدها، وهناك ثلاث مئة محل ذهب؛ إذًا نتصور الآن الصرافة والعملة والقوة الاقتصادية والتحكم في السوق هي بيد اليهود، ليست بيد المسلمين.
فكان أن – ولهذا لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك قال: «ما هذه لكم بسوق»، نعم؛ أيضًا هذه تُقرأ في إطار التخطيط المدني العمراني، والحقيقة أنها تُقرأ أيضًا في بيان الحكم الشرعي؛ حينما يسمع المسلمون من المهاجرين والأنصار رضوان الله تعالى عليهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لهم: «ما هذه لكم بسوق» سيمتنعون عن التعامل معها وقد قال فيها ما قال.
فاتخذ لهم سوقًا؛ بداية الاستقلال الاقتصادي، بداية الاستقلال؛ اتخذ لهم سوقًا، نعم، اختار مكانه عليه الصلاة والسلام، وشرع مع أصحابه الكرام في نصب الخيمة للسوق، نعم؛ جاء كعب بن الأشرف فقطع – أو اقتطع – أو قَطَب هذه الخيمة، وهو يهودي لِخُفائه، نعم؛ كعب بن الأشرف يقال: إنه من حيث أبوه هو عربي وأمه من بني النضير، لاحظ، نعم، هو أمه من بني النضير، لكنه مع ذلك انتصر لليهود.
فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، نعم، لم يستدعِ كعبًا، ولم يُظهر هذا الأمر، لكنه قال: «لأتخذنَّ السوقَ في موضعٍ يُغيظُكم»، نعم؛ اختيار مكان السوق كان بالغ الأهمية؛ فاختار له مدخل المدينة المنورة، مدخل المدينة المنورة، نعم، للداخل من جهة الشام والطائف واليمن والحبشة، جميل، وأهل مكة على طريقها، واختطَّه صلى الله عليه وسلم بنفسه، نعم، وقال: «هذه سوقكم، لا تُنْتَقَصَنَّ، ولا مَكْسَ فيها»؛ ومعنى المكس: الضرائب.
لا يُنْتَقَص منها، يمكن أن تُزاد، لكن لا يُنْتَقَص منها، ولا ضرائب فيها؛ سنأتي إلى دلالات هذه الأحكام الشرعية، لكن من اللافت أيضًا – ما يدعو إلى استنطاق عبقرية نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في هذا الشأن – هناك رواية من طريق سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: «أسواقُنا كالمسجد، من سبق إلى مقعدِه فهو أحقُّ به ما لم يَفرُغ من بيعِه أو يَعُد إلى بيتِه»، نعم؛ فلم تكن هناك محال محددة للتجار؛ جعلها سوقًا مفتوحة، من أتى إلى موضع فهو أحق به.
الآن لنقرأ هذه الأحكام الشرعية التي يراها كثير من الناس على أنها أحكام شرعية السوق: لا ضرائب فيها – أسواق اليهود فيها ضرائب – السوق لمن سبق، وعلى هذا فهي على مدار الساعة سوق مفتوحة، نعم؛ منطقة حرة، لا ضرائب فيها، نعم؛ سوق اليهود فيها ضرائب؛ جميل، هذه منطقة حرة لا ضرائب فيها، ومن سبق إلى مقعده، إلى موضع فيه، فهو أحق به، ولذلك سيتسابق المسلمون إلى هذه المحال الفضلى في هذه السوق، نعم.
نفهم الآن: «بُورِكَ لأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا»، نعم، بمعنى: يريد أن يبادر المسلمون، لا وقت لديهم، يسابق الزمن، يريد أن يؤسس لاقتصاد قوي، فيحثهم على التبكير إلى العمل والنشاط الاقتصادي.
لم يقتصر الأمر على هذا الحد؛ من الغريب – وقد أشرتم إليه في سؤالكم – نعم: جعل الأوزان أوزان مكة، والمكاييل مكاييل المدينة؛ لأن أهل مكة تجار، نعم، لهم رحلة الشتاء والصيف، يتاجرون في الذهب والفضة والثياب والعطور وغيرها، فكانوا يتخذون أوزانًا: الدراهمَ والدنانير والمثاقيل؛ فجعل الأوزان أوزان مكة وحدة قياس لهذه السوق، وجعل المكاييل: الصاعَ والمُدَّ والوَسَقَ – نعم – وسقَ المدينة؛ لأنه مجتمع زراعي.
جميل، الآن ما الذي يدفع، ما الذي يمكن أن يسمح للمسلمين أن يذهبوا إلى سوق اليهود ولديهم سوق خاصة، ليس فيها ضرائب، يمكن أن يتجهوا إليها في أي وقت، ولهم معاييرهم ووحدة المقاييس – بتعبيرنا المعاصر – الخاصة بهم؟ جميل.
أحسنت؛ لم يسمح، وهذه أيضًا فيها لفتة: نعرف أن عبد الرحمن بن عوف كان من أثرياء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان كذلك بمكة المكرمة، ثم ما لبث في المدينة المنورة أن كوَّن ثروة، أن كوَّن ثروة أيضًا، نعم، ثروة مالية؛ الوحيد الذي سُمح له أن يتجر في سوق اليهود عبد الرحمن بن عوف؛ ولماذا؟ لأنه يصعب أن يُخدَع؛ هو ماهر في التجارة، مطلع على حِيَل أهل الأسواق، فلن يُؤتى من قلة خبرته بالتعامل مع هؤلاء التجار الذين كانوا يسيطرون على السوق.
فلم يرغب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُصاب المسلمون – وهم في بداية تكوينهم لنشاطهم الاقتصادي – بنكبات مالية، نعم؛ فلم يسمح بدخول سوق المال العالمي، نعم، البورصة العالمية، إلا لمن هو أهل، وذو جدارة وقدرة على الانتفاع والاستفادة فيها.
من أروع ما حصل أنه عليه الصلاة والسلام فعل أمرين مما نعرفه نحن اليوم: أولًا الاستيراد المباشر؛ نعم، أرسل وفودًا إلى الطائف، وإلى نجد، وإلى بصرى، حتى إن هذه الوفود ممن فيها كان سيدنا أبو بكر الصديق، كان على رأس وفد إلى بصرى، نعم، وأرسل عددًا من أصحابه رضوان الله تعالى عليهم إلى الطائف؛ ثُمامة بن أثال لما أسلم، وهو سيد بني حنيفة في نجد، اتفق معه على أن يكون هو ممن يأخذ منه الحبوب وغلات نجد مباشرةً إلى سوق المدينة، نعم؛ إذًا الاستيراد المباشر كان حاضرًا، وكان يرسل لأجل تحقيق هذه الغاية وفودًا، نعم؛ لم يكن يريد أن يعوِّل على اليهود، ولا أن يكونوا بحاجة إلى مكة.
ثم إنه فتح السوق لغير المسلمين؛ إذًا هذا الإجراء الثاني العملي الثاني؛ مع الاستيراد المباشر فإنه أيضًا فتح السوق، ولذلك جعل الأعراب ممن هم حول المدينة، أذن لهم أن يأتوا إلى الأسواق، فكانوا يأتون ببضاعتهم من الإبل والماشية والأنعام، وكانوا يشترون في المقابل ما كان في أسواق المدينة من الحبوب والثياب وغيرها.
مما اطَّلعت عليه في قصة الثلاثة الذين خُلِّفوا، نعم، كعب بن مالك في آخر القصة لما أرسل إليه الروم رسالة: بلغنا أن صاحبك قد جفاك، فهلم إلينا نكرم وفادتك؛ من الذي أتاه بهذه الرسالة؟ قال: فإذا بنا – هو كعب بن مالك في الرواية يقول – فإذا بنَبَطِيٍّ يبيع طعامًا بسوق المدينة، ينادي: أيكم يدلني على كعب بن مالك؟ يعني من مصر جاء من بلاد الروم، نبطِيٌّ نصراني أتى، كان يبيع الطعام في سوق المدينة؛ نعم.
إذًا فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسواق؛ هذه الأحداث جعلت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أو من مجتمع المدينة، مجتمعًا اقتصاديًا بامتياز، يُسعى إليه، يتطلع إلى التعامل معه، غير معتمد على غيره؛ لا ممن هم في المدينة من أسواق اليهود، ولا من أسواق مكة. ولذلك كان أيضًا هناك – فيما يتعلق بصلح الحديبية أو في عمرة القضية – أيضًا هناك بنود تتعلق بالمال؛ وصل الحال إلى أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن يكون سوق المدينة هو الذي يزوِّد مكة بما تحتاج إليه؛ لأنهم كانوا قد بلغوا في الديون التي عليهم لبني حنيفة أموالًا طائلة، فتحملها عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يكون ما يأتي هو الذي يورده، هو الذي يبعث إلى مكة ما يحتاجون إليه.