⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما بعد، فإن معنى النصر الإعانة على العدو والخصم المناوئ، وأصل النصر يعني العون والمدد، لكنها من حيث الاستعمال القرآني تنصرف أكثر لتكون بمعنى الإعانة على عدو، وهذا كثير في كتاب الله عز وجل: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا﴾ أي على من خالفهم، إما بالغلبة أو بالحجة، ويقول: ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ﴾ في الرسل والأنبياء فكانوا هم الغالبين، أيضًا إما بالغلبة أو القوة على عدوهم المغالي وعلى خصمهم المناوي لهم، هذا هو معنى النصر.
أما الفتح فهو أيضًا من حيث وضعه اللغوي يدل على خلاف الانغلاق، يدل على الانكشاف والظهور، وهو مأخوذ من فتح الماء إذا انكشف وظهر، وكل ما زالت أسباب انغلاقه فقد فتح أي انكشف وظهر.
ولذلك نجد أيضًا في كتاب الله عز وجل قوله سبحانه: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ [الأعراف: 89]، أي اكشف بيننا وبين قومنا، وأظهر ما بيننا وبين قومنا بالحق. وذكر الإمام القرطبي - حسبما أذكر - أن الفاتح هو الحاكم القاضي في لغة أهل عُمان؛ لأن القاضي يكشف الحقَ ويظهر العدل.
فالفتح أوسع من النصر، لا يلزم في الفتح أن يكون على خصم مناوئ أو على عدو مخاصم، وإنما يكون بما يهيئه الله تبارك وتعالى من أسباب تكشف عن الأمر وتظهره للناس.
إذا اتضح هذا الفارق، سهل علينا أن نعرف الفارق بين اسمي السورتين؛ فسورة النصر تنصرف إلى ما يتعلق بفتح مكة، وفتح مكة كان غلبة على كفار مكة على المشركين، مع ما يحمله من دلالات وآثار نتجت عن هذا الفتح، إلا أنه في حقيقته هو انتصار، هو إعانة من الله تبارك وتعالى بتمكين رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام من الفئة المؤمنة على عدوهم الذي ظلمهم وناواهم وتصدى لدعوتهم أول الأمر.
أما سورة الفتح فإنها سميت بهذا الاسم لما تشتمل عليه من صلح الحديبية، وقد كان فتحًا انكشفت به دعوة هذا الدين للناس جميعًا، وظهر أمره لقبائل الجزيرة العربية، تلاه أن توافدت الوفود والجماعات على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى مدينته، فتسامع الناس أكثر وأقبلوا على هذا الدين، وتحقق للمسلمين فتح على عدوهم وعلى غير عدوهم ممن لم يسمع به أو ممن كان مترددًا ولم يناوئ المسلمين، فهذا هو معنى الفتح، ولذلك سميت هذه السورة بسورة الفتح، والله تعالى أعلم.