⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
نعم، الاطمئنان الذي كان يطلبه إبراهيم عليه السلام هو طمأنينة يقين القلب بالكيفية لا بالأمر نفسه؛ فأمر البعث والإحياء ثابت راسخ، لا مجال للقول بأن قدرا من الريبة أو الشك يمكن أن يكون قد أصاب إبراهيم عليه السلام، هذا ممنوع باتفاق وينبغي أن يكون مفهوما.
وإنما –نظرا لعلو همته وعظيم منزلته– فإنه أراد أن يطَّلع على الكيفية؛ أما ذات الإيمان بالبعث وبالإحياء والإماتة فهو ثابت راسخ عنده، لكنه أراد أن تطمئن نفسه إلى كشف أسرار عالم الربوبية.
والله تبارك وتعالى قد أنزل إبراهيم الخليل منزلة الاصطفاء: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]، وهذه الخُلَّة التي وصف الله عز وجل بها إبراهيم عليه السلام تشي بأنه كشف له ما لم يكشفه لغيره؛ فالله تبارك وتعالى قال: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥]، فربه جل وعلا أراد له أيضا أن يكون من الموقنين في بعض ما كشفه له من أسرار ملكوت السماوات والأرض، ولذلك تَطَلَّب إبراهيم عليه السلام أن يرى كيف يكون الإحياء، أن يرى الكيفية.
… فالله عز وجل بوَّأه هذه المنزلة، وأراد له هذه المكانة، أراد له هذا الاصطفاء بهذه المنزلة لكي تنكشف له بعض أسرار ملكوت السماوات والأرض، وأراه ذلك؛ قال: ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ [البقرة: ٢٦٠]، أن يأخذ أربعة من الطير، ثم يقطعها إلى أجزاء، ثم يجعل هذه الأجزاء في جبال مجاورة، ثم يدعوهن بصوته، وإذا بها تنتشر وتأتيه طيرانا وسعيا، ولذلك رأى الآن الكيفية.
أيضا مما ينبغي التنبيه له أن معجزات الله تبارك وتعالى لأنبيائه ورسله لا تخضع لقوانيننا نحن، أو لا تخضع لقوانين المادة التي نفهم بها نحن حركة الحياة من حولنا، هي أمر خارق للعادة، أي إنها تكسر هذه القوانين لأنها من رب هذه القوانين جلَّت قدرته سبحانه وتعالى، ولذلك فلا يلتبس على ذهن أحد؛ إنما يقول للشيء كن فيكون، نعم، هذا ما طلبه إبراهيم، وهذه هي الطمأنينة التي كان ينشدها وتحققت.