مكتبة الفتاوى← الرجوع للرئيسية
✓ تم نسخ الرابط

إيجار العقار المغلق

حكم دفع أجرة العقارات المستأجرة التي لم ينتفع بها المستأجر بسبب إغلاقها بقرارات الجائحة، وكيف تحفظ الشريعة حقوق الطرفين؟

⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما بعد، فإن هذه المسائل والقضايا التي تذكرونها في هذا السؤال إنما تندرج في موضوع فقهي واحد، هذا الموضوع الفقهي يُعرَف بفقه الجوائح، والجائحة يُراد بها –لتقريب معناها– عموم البلوى التي لا يملك الناس، لم يتسبب فيها الناس، وتركت آثارًا مرهقة، وضيقت على الناس في معايشهم، هذا هو معنى الجائحة. قد تكون الجائحة لأمر سماوي كما يقول الفقهاء، ويقصدون بذلك ما لم يتسببوا فيه من أحوال البرد والثلج وشدة الحر وشدة الرياح والزلازل والبراكين والجراد، مما لم يتسبب فيه البشر، وقد تكون الجائحة لسبب بشري كجيش غشوم ظلوم يمنع الناس من السعي في معايشهم وابتغاء واكتساب أرزاقهم، فتتعطل بسبب ذلك الكثير من التعاقدات. ولذلك فإن معالجة مثل هذه القضايا المندرجة في هذا النوع من الموضوعات –أي في فقه الجوائح– لا يُنظر إليها بمنظور أحوال الفقه العادي، أي حينما تكون الأوضاع آمنة مستقرة، ويتمكن المتعاقدون بشتى أنواع العقود من عقود المعوَّضات بيعًا وشراء أو إجارات سواء كانت إجارة أعيان أو إجارة أشخاص، يتمكنون من استيفاء حقوقهم، فلا تكون المعالجة في مثل هذه الأحوال بمثل هذا النوع من الفقه، لأن الوضع مختلف، فهو ظرف استثنائي أشبه ما يكون بأحوال الضرورات التي تُقدَّر بقدرها، وتُراعى في عقود الناس وفي عباداتهم وفي كثير من أبواب الفقه الإسلامي. هذا مما ينبغي أن يُدرك، إذ يخطئ بعض الناس حينما يحاولون معالجة هذه الأوضاع بالنظر في أحوال الفقه في عموم الأحوال، والواقع أنه ينبغي أن يُنظر إليها بما دلت عليه هذه الشريعة من أمر الجوائح. ورسول الله صلى الله عليه وسلم –كما ثبت عنه– حينما نهى عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، فإنه لما سئل عن ذلك قال: «أرأيتم إن وضع الله الثمرة فبِمَ يأخذ أحدكم حقَّ صاحبه؟»، وورد أيضًا عنه عليه الصلاة والسلام أنه أمر بالوضع للجوائح، وقال عليه الصلاة والسلام –وقد صارت مقولته تلك قاعدة كلية–: «لا ضرر ولا ضرار». ومعلوم أن روح هذه الشريعة إنما يتمثل في إقامة العدل ونصب القسطاس بين الناس جميعًا، فمن هذه الأدلة بُنيت الأحكام الشرعية المتعلقة بالجوائح. وهناك كلام كثير عند الفقهاء في معرفة متى يكون إعمال فقه الجوائح: هل إذا كان الضرر الذي يصيب الأصل بالغًا الثلث كما هو مذهب المالكية –وهم أشهر من قال بفقه الجوائح–، أو متى ما كانت جائحةً أصابت الأصل بضرر قلَّ أو كثر، فإنه يُعمل في مثل هذه الأحوال بالوضع للجوائح أو الإسقاط للجوائح كما هو مذهب طائفة من أهل الحديث ومن الظاهرية والحنابلة، وقال به أيضًا عدد من الإباضية، أو إذا بلغ ضرر النصف؟ هذه أقوال، وهناك أقوال غيرها في تحديد مقدار الضرر الذي يقع على الأصل المتعاقد عليه، مما يُرتَّب عليه أن يُعمل فقه الجوائح بالإسقاط أو الوضع. وتبعًا لهذا اختلفوا في مقدار الوضع، في مقدار الإسقاط: هل تُفسخ هذه العقود، ويتحمل المؤجر في حالة الإجارة، والبائع في حالة عقود البيوع، يتحملون الضرر لأن المستأجر لم ينتفع، ولأن المشتري لم يتمكن من الانتفاع، أو أن لذلك سبيلًا أخرى؟ وأعدل ما رأيت –وهو ما تطمئن إليه نفسي، وهو ما يصلح أن يكون ميزانًا لضبط حقوق أطراف هذه التعاقدات– هو أن يكون الإنقاص من الأجرة بمقدار ما نَقَص من المنفعة، فيكون الوضع من الأجرة بمقدار ما نقص من المنفعة. وعلى هذا فإن لم يُنتفع بالمنفعة أصلًا –كأجرة بعض الأماكن لحدث، لمناسبة عُرس على سبيل المثال، أو لمحاضرة، أو لدرس علمي في صالة أو في قاعة، لكن لم ينتفع المستأجر أبدًا، لم ينتفع بالكلية من ذلك– فإن الوضع هنا –أي الإسقاط من الأجرة– سيكون لكل الأجرة المتفق عليها، إذ لم يحصل المطلوب لا لسبب من المستأجر ولا بتسبب من المؤجر، وإنما هو لسبب خارجي، هذا السبب الخارجي هو جائحة هذا المرض، وبأمر من ولي الأمر فقد صار تعليقٌ لكثير من هذه الأنشطة. وأما سائر أنواع العقود الأخرى فإن طرفي التعاقد إذا أجرينا هذا المبدأ –وهو أن يكون الوضع من الأجرة بمقدار ما نقص من المنفعة– فإن في ذلك إرساءً لمبدأ العدالة بينهما؛ لأننا نعلم أن هذه العقود اليوم –عقود العمل، وعقود التوظيف، وعقود الإيجارات في المؤسسات والأنشطة التي علقت إلى أجل– إنها أولًا تتسم بأنها كانت ممتدة، فهي لم تكن لمنفعة واحدة آنية في وقت محدود تنتهي بانتهائها، مثل التدريس في المدارس، أو عقود الإيجارات في بعض الأنشطة التي عُلقت أيضًا، نحن نعلم أنها إما أن تكون سنوية أو لأكثر من سنة ثم تتجدد بعد ذلك. وكذلك فإن الحال أنها متشعبة لأنها تمس طرفي العقد، فقد يكون مستأجرًا ومؤجرًا في الوقت نفسه، فهو مقدم خدمة ومنتفع بخدمات أيضًا من نفس المؤسسة التي نتحدث عنها، ولأن هذا من عموم البلوى التي أصابت الناس، فكان الأعدل والأوفق –وهذا القدر متفق عليه بين الفقهاء– أن يكون الإنقاص من الأجرة بقدر النقصان الذي حصل في المنفعة. فهذا هو الذي تطمئن إليه النفس في مثل هذه الأحوال، في مثل هذه الظروف، ولا يتناسب مع روح الشريعة الداعي إلى العدالة، كما أنه يتناسب مع أخلاق هذا الدين الداعية إلى التعاون والتراحم والتعاطف وإظهار معاني البر والإحسان، ومراعاة ما يؤول إليه الحال، لأن هذا التعليق –بتعاون الجميع بإذن الله تعالى– سيكون مؤقتًا لتعود بعد ذلك الأمور إلى طبيعتها. ... ثم بعد ذلك يضرب مثالًا: كدعنا نقول من اكترى وسيلة نقل للسفر، لنقل إنه اشترى تذكرة سفر، ثم بعد ذلك مُنع السفر لا بسبب منه، لا بتسبب منه، فإن هذا لم يسافر أصلًا ولم يعتذر هو، لكنه لم يُمكَّن من السفر، فإن هذا لم يستوفِ المنفعة أصلًا، فبأي وجه نقول حينئذٍ بأنه لا يسترد حقه؟ نعم، هنا إذا أجرينا نفس المبدأ المتقدم –وهو أن الوضع من الأجرة يكون بمقدار ما نَقَص من المنفعة– سنجد أن أحوالًا كثيرة تخرج من هذا المبدأ أصلًا، لكنها في المقابل أيضًا تدخل الكثير من هذه التعاقدات التي يهتم الناس بالسؤال عنها اليوم. لكن لا يكون تقدير ذلك إلى أحد الطرفين دون الآخر؛ إما أن يكون ذلك برضا من الطرفين، أو أن يكون ذلك بتوصية، أو أن يكون ذلك بقرار من جهة يحتكمان إليها أو جهة قضائية، أو أن يكون بسلطة يخولها ولي الأمر، وهذه توصية أيضًا إلى المعنيين، إلى المختصين بأن يتولوا هم هذا الأمر لرفع الضرر عن الناس وبسط العدالة فيما بينهم، أن يكون هذا الأمر من الأمور السيادية التي تعالجها الدولة بالخبراء والمعنيين من مختلف الجهات لتقدير هذا الضرر الحاصل، وما يمكن أن يقابله من نقصان، أما إذا أُسند إلى أرباب الأموال أو أيضًا إلى مطالب العمال أو الأجراء فإنه قد يحصل خلل في العدالة المطلوبة بين الطرفين.
👤كهلان بن نبهان الخروصي
📅 ٢٩‏/٣‏/٢٠٢٠👁 2 مشاهدة
🎬

#فتاوى_متنوعة - د. #كهلان_بن_نبهان_الخروصي - ليلة 5 شعبان 1441 هـ HD

مسائل متنوعة في المعاملات

✦ فتاوى مشابهة

إيجار العقار المغلق

2 👁

ما حكم دفع أجرة العقارات المستأجرة التي لا ينتفع بها بسبب إغلاقها في الجائحة، وما الحل الشرعي لحفظ حقوق الطرفين؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠

أجرة المدارس الخاصة زمن التعليق

0 👁

كيف تُعالج مسألة العقود والأجور بين أولياء الأمور والمدارس الخاصة بعد انقطاع الدراسة بسبب الجائحة؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
١٩‏/٤‏/٢٠٢٠

أجرة سائقي الحافلات

2 👁

هل يستحق سائقو الحافلات الأجرة كاملة عن الأشهر التي توقفت فيها الحافلات بسبب الجائحة مع بقاء عقود أصحاب الحافلات مع الوزارة؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣‏/٥‏/٢٠٢٠

أجرة غير محددة مسبقًا

0 👁

ما حكم الأجرة التي لا يحدد مقدارها بين الطرفين إلا بعد انتهاء العمل كاستئجار عامل للإصلاحات المنزلية دون تحديد الأجرة مسبقًا؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢١‏/٥‏/٢٠١٩

أجرة المدرسة زمن الجائحة

2 👁

هل يجوز للمدرسة الخاصة أخذ كامل رسوم السنة مع أن الطالبة درست ثلاثة أشهر فقط ثم تحولت الدراسة بسبب الجائحة؟

👤ماجد بن محمد الكندي
١٢‏/٤‏/٢٠٢٢

تأخير أجر الشركة

3 👁

تعاقد مع شركة لإنجاز عمل فتأخرت عن الموعد فهل يجوز له تأخير دفع أجرتها مدة تأخرها؟

👤ماجد بن محمد الكندي
١٨‏/٤‏/٢٠٢٥