مكتبة الفتاوى← الرجوع للرئيسية
✓ تم نسخ الرابط

حكم تسعير السلع

هل يدل حديث «إن الله هو المسعر» على منع الحكومة من فرض سقوف للأسعار والتسعير الرسمي للسلع؟

⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم افتح لنا أبواب رحمتك، وانشر علينا أثواب حكمتك، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا إنك أنت العالم الحكيم، أما بعد: فإن هذا الحديث صحيح، وقد ورد بمثل هذا اللفظ عند الإمام الربيع بن حبيب من طريق ابن عباس رضي الله عنهما أنه أصابت الناس سنة، أي جدب وشدة وغلاء، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلبون منه التسعير، قالوا: هلا سعّرت لنا يا رسول الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم – أو امتنع عليه الصلاة والسلام – وقال: «إن الله هو القابض الخافض، هو المسعِّر، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس في رقبتي – أو وليس في عنقي – مظلمة لمسلم في دم أو مال»، وفي رواية: «ولكن اسألوا الله»، وهذه الرواية في نفس هذا المعنى، ووردت روايات أخرى تؤكد هذا المعنى أيضًا عنه عليه الصلاة والسلام. نعم، إذاً فالحديث صحيح، ورد من طرق عديدة وفي مصادر عديدة. أما فقه الحديث فلا بد أن ننظر أولًا إلى تحرير ما يدل عليه، فأكثر العلماء أخذوا من مجموع هذه الأحاديث حرمة التسعير، استأنسوا بظواهر هذه الأحاديث وبقول الله تبارك وتعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29]، ولأن هذا الشرع الحنيف ينظر في حقوق الطرفين، في حقوق البيعين: البائع والمشتري. هذا القول الذي قال به أكثر العلماء قابله أيضًا قول آخر حمل هذه الروايات على عموم الأحوال العادية حين لا يكون جشع من التجار ولا تلاعب بالأسعار؛ ولذلك رأى هذا الفريق جواز التسعير في مثل هذه الحالات، ومنهم من أباح مطلقًا. لكن الصحيح إجراء الحديث على ظاهره، إلا أن الصور التي يذكرها من رخّص – سواء عند الحاجة، وذكر ذلك من فقهائنا ابن بركة، قال: في حالة الضرورة أو الحاجة فإنه لا مانع من التسعير – وقال بهذا القول عدد آخر من الفقهاء من مختلف المذاهب الإسلامية. لكن المورد الذي يُستقى منه هذا الحكم الشرعي في الحقيقة إنما هو غير هذه الأحاديث المتقدمة الواردة في التسعير؛ بإمعان النظر نجد أن ما ورد في النهي عن الاحتكار، وعن الاستغلال، وعن التعدي والظلم، وما ورد من أحاديث نبوية شريفة صحيحة تقرر المبادئ الشرعية والمقاصد الشرعية المرعية في التجارة، هي الموارد الأليق بالقول بجواز تدخل ولي الأمر لرفع الظلم أو التعدي عن الناس في الحالات التي يثبت فيها احتكار أو استغلال أو تلاعب بالأسعار. فلها أدلة أخرى لا تتعارض أبدًا مع الأحاديث التي امتنع فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التسعير؛ هذه الرواية الواردة عند أبي داود والإمام أحمد وغيرهما فيها ما يدل على أن التسعير في مثل هذه الأحوال العادية ظلم، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم امتنع أولًا ثم قال: «وإني لأرجو أن ألقى الله وليس في رقبتي – أو: في عنقي – مظلمة لمسلم في دم أو مال»، فدل هذا على أن تدخل ولي الأمر في هذا قضاءٌ منه عليه الصلاة والسلام في عموم الأحوال العادية. فارتفاع غلاء الأسعار كان لأمر خارج عن صنع التجار أنفسهم أو أهل السوق، ولذلك امتنع رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أما إذا وُجد شيء من التعدي، أو الاحتكار، أو التلاعب بالأسعار، أو التواطؤ، أو أي شيء من الحيل التي يعمد إليها أهل السوق، فحينئذ يسوغ للسلطة أن تتدخل لمنع التعدي ورفع الظلم، وإتاحة السلع والتنافس في السوق. وهناك علة فيما يتعلق بالامتناع عن التسعير، ذكرها طائفة من شراح الحديث، ذلك أن الذين يجلبون هذه السلع إذا ما علموا أنهم يكرهون على أسعار، أو كما تفضلتم على سقفٍ محدود، فإنهم يحجمون عن جلب سلعهم إلى تلك السوق، فتقل هذه السلع التي يحتاج إليها الناس في السوق فترتفع الأسعار؛ ولذلك فإن إجراء أحوال الأسواق على طبيعتها وفتح المجال للتنافس – مع تدخل السلطة لرفع ما تقدم من احتكار أو استغلال أو تعدٍّ – هو الأصل. وهذا المعنى لابد من التأكيد عليه، لأنه يتفق مع من رأى أيضًا من العلماء المعاصرين أن التسعير جائز في الأحوال التي تشتد فيها حاجة الناس أو يثبت تعدٍّ أو احتكار أو استغلال من قبل التجار. يتفق هذا التوجه مع ما أذكره الآن من أن أدلة أخرى هي التي تسمح بهذا التدخل من قبل السلطة، من قبل ولي الأمر. متى ما اشتدت حاجة الناس، وحصل تلاعب أو استغلال أو احتكار من التجار للسلع، فحينئذ يسوغ للسلطة أن تتدخل، ومع انعدامها نعود إلى أصل الامتناع عن التسعير، امتناع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو دال على الحرمة. لكن اليوم أيضًا قد يكون غلاء الأسعار إنما هو بفعل السلطة نفسها، قد يكون السبب في غلاء الأسعار بعض الإجراءات أو القرارات أو الأنظمة التي تفرضها السلطة، فيؤدي ذلك إلى ارتفاع الأسعار؛ فحينئذ لا يسوغ لهذه السلطة – أيا كانت – أن تأتي وتحتج بحديث المنع عن التسعير لتبرير ما هو أثرٌ من آثار قراراتها وما سنته في حركة السوق. إذاً: الصورة التي نص عليها الشيخ أن الحديث يدل على حرمة التسعير في الأحوال العادية التي لا ظلم فيها من أهل السوق، ولا يمنع تدخّل ولي الأمر عند ثبوت الاحتكار أو التلاعب أو الاستغلال أو حدوث الغلاء بسبب قرارات السلطة نفسها، بل حينئذ يجب تصحيح تلك القرارات ورفع الظلم عن الناس.
👤كهلان بن نبهان الخروصي
📅 ١١‏/٢‏/٢٠١٨👁 2 مشاهدة
🎬

#فتاوى_متنوعة - د. #كهلان_بن_نبهان_الخروصي - ليلة 25 جمادى الأولى 1439 هـ HD

التسعير

✦ فتاوى مشابهة

حكم تسعير السلع

2 👁

هل يدل حديث «إن الله هو المسعر» على منع الحكومة من فرض سقوف للأسعار والتسعير الرسمي؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠

تسعير السوق وحكمه

0 👁

ما المقصود بتسعير السوق وما حكمه ولماذا رفض الرسول صلى الله عليه وسلم تسعير السوق؟

👤إبراهيم بن ناصر الصوافي
١‏/١٠‏/٢٠٢٥

حكم رفع الأسعار في المواسم

5 👁

نرى بعض التجار في وقت المناسبات يرفعون الأسعار ويستغلون الناس؛ فما نصيحتكم لهؤلاء التجار وهل يأثم التاجر بقيامه بهذا التصرف؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٥‏/٨‏/٢٠١١

حكم المتاجرة بالأسهم

10 👁

ما الحكم الشرعي للمعاملة في أسهم الشركات في أسواق المال شراءً عند انخفاض السعر وبيعاً عند ارتفاعه؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
٢٠‏/٦‏/٢٠١١

حكمة منع الضرائب

2 👁

هل كان منع الضرائب في سوق المسلمين فقط لسحب البساط من اليهود أم لأنه حكم تشريعي مقصود؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢‏/١١‏/٢٠٢٠

تذوق السلع في المتاجر

2 👁

ما حكم أكل المكسرات أو الفواكه من المتجر للتذوق حتى تبلغ قيمتها ريالاً أو ريالين دون دفع؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠