⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
الجواب: الفرق بين الجمعين أن «نُفوس» جمعُ كثرة، فـ«فُعول» من جموع الكثرة، أما «أنفُس» فهو من جموع القلة؛ هذا من حيث التركيب اللغوي، نعم، من حيث صيغة الكلمتين؛ فصيغة كلمة «نفوس» –هذا الجمع– إنما هو من جموع الكثرة، وأما «أنفس» على «أفعل» فهو من جموع القلة، ويُقصد بجموع القلة: ما كان من ثلاثة إلى عشرة كما هو عند أهل اللغة.
ولا حاجة لنا إلى التكلّف؛ فهذا المعنى اللغوي ملحوظ في كتاب الله عز وجل؛ فنحن إذا أتينا إلى الموضعين –لا سبيل الآن إلى حصر المواضع التي وردت فيها كلمة «أنفس»، لأنها فعلًا كثيرة كما أشار السائل، بل كما ذَكَر هي كثيرة جدًّا– لكن كلمة «نفوس» ما وردت إلا في موضعين كما قال، ومعنى الجمع الكثير ملحوظ فيهما؛ فالله تبارك وتعالى يقول في سورة الإسراء كما قال: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْۚ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء: 25]، بعدما قال في الآية قبلها: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: 23]؛ فالخطاب للجميع، ولذلك أتى بعد هاتين الآيتين قوله: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾.
وكذا الحال بالنسبة لآية التكوير؛ لأن الحديث عما يحصل يوم القيامة: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: 7]، فالحديث عن كل النفوس؛ هذه مشاهد القيامة، وهذا المشهد تحديدًا إنما هو فيما يحصل يوم الحساب.
و«زُوِّجَتْ» هنا –للاستطراد حتى نفهم المعنى– فمن طائفة من المفسرين –حسبما أذكر– من يرون أن «النفوس» هنا بمعنى الأرواح، فـ«زُوِّجَتْ» أي اقترنت بالأجساد، رُدّت هذه الأرواح إلى أجسادها، هذا معنى «زُوِّجَتْ»، نعم، ومنهم من يرى أن «زُوِّجَتْ» أنها جُعلت أزواجًا، كما قال ربنا تبارك وتعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾ [الواقعة: 7]، وهذه الأزواج هم لأصحاب الميمنة، ولأصحاب المشأمة، وللسابقين، وهذا التعبير يوجد أيضًا عند طائفة من المفسرين؛ فيذكرون أن هذه الأزواج باعتبار الجميع: أهل الإيمان، أهل التقوى، أهل الصيام، أهل النفاق، وما سوى ذلك من الأزواج –من الأنواع–؛ فإذا الحديث عن الجميع، فناسب ذلك استخدام الصيغة الدالة على الكثرة.
وأيضًا –حسب ما أذكر، يعني قد تحتاج المسألة إلى مزيد من البحث والتمحيص– أن دلالة كلمة «نفس» تدل على الذات المتشخِّصة، تدل على عين الشخص –النفس– وتدل على ما تنطوي عليه من روح وضمير؛ ولذلك نجد أن مفسِّرًا كالإمام الطاهر بن عاشور –في قول الله تبارك وتعالى في سورة الإسراء: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾– أنه قال: «بما في ضمائركم»، وجرى على هذا أكثر المفسرين: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾ أي بما تنطوي عليه ضمائركم، نعم؛ فالجانب المعنوي من الأنفس هو المقصود، ولذلك ناسب ذلك أن يكون أيضًا في سورة التكوير: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ أي الأرواح اقترنت بالأجساد؛ فكأن «النفوس» استُخدمت للدلالة على الضمائر والبواطن لا على الذوات المتشخِّصة.
ويمكن –باستعراض بعض الآيات القرآنية مما وردت فيه كلمة «الأنفس»– أن نأتي ببعض الأمثلة، من نحو قول الله تبارك وتعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: 44]؛ فالخطاب هنا لمقصود، ويُراد منهم القِلَّة، وهذا ملحوظ: إما أن يُراد القِلَّة الحقيقية، أو أن يُراد القِلَّة المعنوية –أي التقليل من شأنهم والاحتقار– فناسب ذلك استخدام صيغة تدل على جمع قِلَّة.
هذا موضع، نجد في قول الله تبارك وتعالى أيضًا في خطاب موسى عليه السلام لقومه: ﴿فَتُوبُوا إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: 54]؛ فهو يخاطب قومًا مخصوصين، نعم.
نجد أيضًا في قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: 29]، فالخطاب أيضًا إلى مخاطَبين مخصوصين؛ حتى ولو كانوا –من حيث إنهم كثرة في ذواتهم– لكنهم بالنظر إلى غيرهم؛ فالخطاب هنا لجماعة المؤمنين المكلَّفين.
وهكذا؛ مع ملاحظتي أن أهل اللغة أيضًا يذكرون أن هذا هو الأصل في الفرق في الاستخدام بين جموع القلة وجموع الكثرة، ما لم تدل قرينة على أن مطلق الجمع هو المراد؛ لنأخذ على ذلك مثالًا: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228]، فهذا في عموم المطلقات: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾؛ فالسياق قرينة دَلَّت على المقصود أنه مطلق الجمع، مع أنه قال: «أنفسهن»، وهذه مناسبة جدًّا في هذا السياق الذي نتحدث عنه؛ قال: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾، و«قُروء» جمعُ كثرة، ليست من جموع القلة، مع وجود جمع القلة، وجمع القلة هو «أقرؤ» وهو كلمة مستخدمة في العربية، لكن هنا العدد مع هذا التمييز دلّ على أن المقصود هو مطلق الجمع.
نعم.
جميل.
نعم.
والله تعالى أعلم.