⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
هذه مسألة بالغة الأهمية، وفعلا وصل الخلل لدى الفقهاء المسلمين المعاصرين حتى إلى هذه القضية؛ فكثير من الشباب اليوم لا يزالون حائرين، منهم من يرغب في التوبة والإنابة –سنأخذ من أبسط الأمثلة– نعم، منهم من يستيقظ ضميره ويرغب في العودة إلى الصراط المستقيم، فإذا بخطاب فقهي بعيد عن كتاب الله عز وجل وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلقفهم، إما أن يزوي بهم ذات اليمين أو أن يزوي بهم ذات الشمال.
هؤلاء يقولون لهم: لا سبيل لكم للتخلص مما كنتم فيه، وللتوبة والإنابة إلا بأن تقتلوا أنفسكم، هكذا يقولون لهم، وإذا بهم بعد ذلك يستغلونهم ويوجهونهم إلى مواضع صراعات لا قِبَل لهم فيها ولا دبير. نعم، من أين أتوا أن سبيل التوبة إنما هو بقتل الأنفس؟ من أين أتى هؤلاء بمثل هذه الأفكار الشيطانية –والعياذ بالله–؟ فإذا بهم يَزُجُّون بطائفة من هؤلاء الشباب المتحمس الراغب في خدمة دينه، والعودة إلى الصراط المستقيم، إذا بهم يُذكون فيهم ما لم يأذن به الله تعالى من أمر فقه الحياة.
نعم، وإذا بطائفة أخرى تأتي لتنقُلهم مما كانوا فيه إلى نسخة مخففة من الانحراف، لا تبالي أيضًا بالقيود الخُلقية والضوابط، ولا تُرشِد إلى أداء الحقوق التي قصَّر فيها هذا الشاب المكلَّف، ولا تُزكي فيه جذوة الإيمان، ولا تدفعه إلى التوبة والخلاص مما وقع فيه برشد وتدرج، وإنما تنقله إلى نسخة هي في ظاهرها –يدَّعي هؤلاء لأنهم غير فقهاء أبدًا– لكنهم يدَّعون بأنها تدين، وهي بعيدة عن التدين؛ لا يبالون بالضوابط الخُلقية في التعامل بين الرجال والنساء، ولا فيما يتعلق بكثير من الأحكام الشرعية التي يحتاج إليها –لا سيما هؤلاء الذين يُقبلون على التوبة إلى الله تبارك وتعالى.
الآن، هذا الحد الأدنى الذي هو استيعاب هؤلاء الشباب؛ فإذا الواجب أن يكون الفقه الإسلامي عونًا لهم على شياطين الإنس والجن، لا أن يكون عونًا للشياطين عليهم.
نعم، ثم نأتي بعد ذلك إلى قضايا الشباب: ما هي اهتمامات شبابنا اليوم؟ وسائل تواصل اجتماعي، وسائل التسلية والترفيه، المشاركة في القرار، الأعمال، البحث عن العمل والتعلم، نعم، هذه أبرز اهتماماتهم –يعني لا نتحدث عما هو أصل مما هو معلوم من أمور العبادة والدين، وإنما نتحدث عما أفرزه الواقع اليوم– نعم، ما الذي قدمه الفقه الإسلامي في هذه المجالات؟
تجد أنهم –فيما يتعلق على سبيل المثال بالمشاركة في القرار: نقدًا أو بناءً أو نصحًا أو غير ذلك– ليس هناك لا بيان للأحكام الفقهية التي يحتاجون إليها: كيف يُعبِّرون عن رأيهم؟ لا يعرفون، فإما أن يُقلِّدوا غيرهم ممن لا يُراعي في المجتمع وفي الناس إلاًّ ولا ذِمَّة، لا يرقب في مؤمن إلاًّ ولا ذمَّة، أو أنه ينطوي على نفسه، أو أنه يستتر بأقنعة تدفعه أيضًا إلى التشويش.
… نعم، لابد من تعريفهم بالأحكام الشرعية لأدب الحديث، لمتى يكون إبداء الرأي، كيف يبنون رأيهم؛ هناك أحكام شرعية –وتناولنا في بعض حلقات ما يتعلق بالتبين والتثبت، وأخذ المعلومة من مصدرها، والسعي إلى النصح أولًا بالتي هي أحسن، والإنكار للمنكر، وغير ذلك– مما لابد له من ضوابط يستند فيها إلى فقهنا الإسلامي.
وكذا الحال بالنسبة إلى وسائل التواصل الاجتماعي، يعني مَن من الشباب اليوم لا يستخدم وسيلتين أو ثلاثًا من وسائط التواصل الاجتماعي؟ لكن بأي منظومة فقهية؟ بلا أي منظومة فقهية؛ ما هي الأعراف الخُلقية التي يستند إليها هو وضميره وثقافته التي نشأ عليها، قريبًا أو بعيدًا من الدين؟ نعم، لم يقدم الفقهاء ما يُغني الشباب ويُقنعهم؛ هناك محاولات فردية، لكن أن يكون على سبيل الاجتماع الذي يستدعي أيضًا النشر والتوعية بعد ذلك، وأن تصل إلى الناس، هناك تقصير كبير.
بل كثير من الفقهاء أنفسهم لا يتصور شيئًا عن هذه الوسائل، لا يتصور شيئًا عن هذه الوسائط. يعني حينما يُقدِّمون قد يستدعي أن يكون هناك: كيف بيان ما يمكن أن يُنتفع منه، ما يصح أن يشارك فيه، ما لا يسوغ أن يشارك فيه، كيف يستحضر مراقبة الله تبارك وتعالى له، ما هي وظيفة الأبوين والأسرة، كيف… أين يُنزِل نفسه من هذه الوسائل، من هذه الوسائط؛ لأنه إن لم ينتبه لهذا، ولم توجد من الخطوات ما يُعينه، فإنها ستُعزِّز عنده نزعة فردية طاغية تكون على حساب الأسرة وحقوق الأسرة، بدءًا من الأبوين، ثم بالأسرة نفسها، ثم بالمجتمع.
هذه أبسط آثار انعدام المنظومة الفقهية في مثل هذه القضايا، وأخطر منها ما يتعلق بوسائل التسلية والترفيه؛ لماذا؟ لأن هؤلاء الشباب حينما لا يجدون موجهات، ويكونون بحاجة إلى ما يُروحون به عن قلوبهم، فإن هذا الفضاء الذي أتاحته شبكة المعلومات أصبح مفتوحًا بكل يُسر، يستطيع النفاذ إليه حتى الأطفال، فلا الأسرة مُحصَّنة، ولا المناهج تشتمل على ما يحتاج إليه، ولا التربية المسجدية تُركِّز على هذه القضايا، ولا الفقهاء يُقدِّمون لكل هذه الدوائر شيئًا ينفعهم ويفيدهم لكيفية توجيه ما يحتاج إليه الناشئة والشباب فيما يتعلق بالتسلية والترفيه.
ولذلك وُجِد –يعني– إدمان لهذه الوسائط، نعم، فإدمان لهذه الألعاب الإلكترونية. وُجد في مجتمعات المسلمين من شباب المسلمين من يُصاب بالأمراض وبالاكتئاب، ومن يُصاب… من ينتحر، ومن يُوشك على الانتحار بسبب هذه الألعاب الإلكترونية، نعم. وُجد من تتعزز عنده نزعة ظلم الآخرين والاعتداء عليهم، اعتزازًا بفرديته، واعتزازًا بتحقيقه لما يريد أن يصل إليه من نتائج، قضوا فيها الساعات الطوال، وكان ذلك على حساب واجباتهم الدينية، وعلى حساب تَعلُّمهم، وعلى حساب أولوياتهم في هذه الحياة.
إذاً لابد –ومرة أخرى– لا نتحدث عن مجرد عمومات؛ هناك الكثير من التفاصيل التي تستدعي اجتهادًا فقهيًّا يبين للناس الأحكام الفقهية، يبين للناس الأحكام الشرعية، يستوعب هؤلاء الشباب، يوجد لهم… كما تقدم أيضًا –نحن حينما نتحدث عن الفقه الإسلامي ودوره، فقط للتذكير– لا نتحدث عن فقه الموضوع فقط، وفقه الموضوع –كما تقدم– يتعلق ببيان الحكم الشرعي لأمر مستجد، أو لنازلة، أو واقعة ما، وإنما نتحدث عن فقه الفرد، فقه الذوات: توجيه هذه الذات نحو مراشد هذا الدين وهداياته؛ ليكون فردًا مراقبًا لله سبحانه وتعالى، متقيًا له، نافعًا، عاملًا في مجتمعه.
كما نتحدث أيضًا عن فقه النظام العام، فقه المجتمع: ما هي البيئة التي يوفرها لهذا الشاب، ما هي الأطر الشرعية أو التشريعية والخُلقية التي يحتاج إليها، ما هي العواقب التي تترتب على الإحسان أو على الإساءة والتقصير؛ كل هذه لابد أن تكون مشتملًا عليها في المنظومة الفقهية التي تُقدَّم. أما أن يُنظر فقط، أن يُلتفت إلى بيان أو تبيين الحكم الشرعي لذلك الفعل مجردًا من أركانه الأخرى، فهذا لا شك أنه قد يكون سهلًا يسيرًا على كثير من الفقهاء إذا تصوَّروه تصورًا صحيحًا؛ لكن نحن لا نتحدث عن فتوى فقط، نتحدث عن الفقه الإسلامي بمفهومه الشامل الواسع.
نعم.