⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
على كل حال قد سبق التنبيه على أن كل علم مأذون به شرعا هو علم شرعي، فالتقسيم الذي يحصل للناس اليوم أن يقال هذا علم ديني وهذا علم غير ديني هذا تقسيم علماني أتت به الحضارة الغربية، وإلا فإن كل علم ينتفع به الإنسان هو علم مأمور به شرعا، لأن الله سبحانه وتعالى جعل الإنسان خليفة في هذه الأرض، وله بسبب ذلك مكانة عظيمة، فكل ما يعين الإنسان على قيامه بواجب الخلافة فلا شك أنه مأمور به شرعا، بل قد يكون واجبا، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ويؤجر بسبب ذلك إن طلب عند الله سبحانه وتعالى.
فعُنا الإنسان بصحته بتغذيته يدخل في حفظ النفس وهي إحدى مقاصد الشريعة، والعناية بمعرفة سير الفلك مثلا من شمس وقمر وما يتعلق بالأرض لا شك أن ذلك واجب أيضا، لأنه تترتب عليه المحافظة على عبادات تعد من أركان الإسلام كالصلاة والصيام والزكاة والحج، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: 189]، وكذلك ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: 17-18]، وما يتعلق باستقبال القبلة فهو ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 144]، ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: 144]، فالعناية بهذه الأمور فرض شرعا، تارة يكون فرضا عينيا وتارة يكون فرض كفاية.
وهكذا ما يتعلق بتبادل المنافع مما يدخل في البيع والشراء ونحو ذلك، وما يتعلق بالزراعة والصناعة وغيرها، فهذا له تعلق بقيام الدول والحرب، أو الجهاد، وكذلك علم الإدارة فضلا عن علم التربية. كل هذه العلوم مما سميناه وما لم نسمه يدخل في العلم الشرعي، إلا أن يكون ممنوعا شرعا كتعلم السحر، أو أن يكون فيه مضرة على الإنسان، فهناك يمنع تعلمه، إلا أن يكون تعلم ذلك الضار لأجل الوقاية منه فينقلب إلى كونه علما مطلوبا أيضا لأجل الحذر منه ومعرفة الأسباب التي قد تؤدي إلى هلاك الإنسان، أو يتعلم كيفية الخلاص منه في من وقع عليه من الناس ضرر.
فإذا على هذا هذه كلها علوم شرعية، نعم يقدم العلم الذي يكون أوثق صلة أو يكون أكثر مباشرة فيما يتعلق بمعاني كتاب الله عز وجل ومعاني سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فهذا ما يعرف بمراتب العلوم أو بفنون العلم، فيكون شرف العلم بقدر شرف موضوعه، فيقدم بعض العلوم على بعض، فهنا يقال هذا العلم الفلاني مقدم على غيره.
ومما ينبغي أن يعلم أن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28]، هذه الجملة ذكرها في سياق التفكر في ملكوت السماوات والأرض وذكر آيات الله تعالى المنبثقة، وهذا يعني أن أولى الناس بحصول هذه الخشية هم الذين يتخصصون في هذه المجالات، وهذا يعني أن طلب هذه الأنواع من العلوم لا يتنافى مع دين الله عز وجل، ولا يتنافى مع تقواه سبحانه إن أخلص القائم بها نيته لله عز وجل، وانتفع بهذا العلم فيما يؤدي إلى زيادة إيمانه وقيامه بواجب التمكين في هذه الأرض، فلا ينبغي أبدا للمتخصصين في هذه المجالات أن يشعروا بأي تأثم حين يطلبون هذه العلوم مع هذه الشروط، نعم إن أرادوا بذلك الدنيا فإذًا أتوا من هذه الناحية، فكان طلبهم للعلم لأجل شيء دنيوي لا لله سبحانه وتعالى.