⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
هل يجوز لمن وقف أرضا بناء على طلب من أبنائه أن يتراجع عن وقفه؟
هل يجوز لمن وقف أرضا؟ نقول: الأولى واللغة الأفصح والأقرب إلى استعمال العرب أن يقول: هل يجوز لمن وقف أرضا، وليس لمن أوقف أرضا؟ هي لغة موجودة، هي أقرب إلى الشذوذ «أَوقَفَ»، لكن لغة القرآن الكريم تدل على أنه «وَقَفَ»، ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ ما قال: «وأَوقِفُوهُمْ إنهم مسؤولون»… إلى غير ذلك من النصوص المتعددة. إذن نقول: الأولى: هل يجوز لمن وقف أرضا بناء على طلب من أبنائه أن يتراجع عن وقفه؟
للفقهاء رأيان في الرجوع عن الوقف ما دام الواقف حيا، لكن الذي عليه الأكثر من الفقهاء، وهو الرأي الصواب والأقرب إلى الدليل، أنه لا يصح لمن وقف شيئا لله أن يتراجع عن وقفه؛ لأن الوقف الصحيح يخرج الشيء الموقوف من ملكية الإنسان إلى ملكية الله سبحانه وتعالى. هذه الأوقاف التي تكون لله سبحانه وتعالى، الأوقاف الخيرية، يخرج بها ملكية الشيء من الواقف إلى الشخص الموقوف عليه أو إلى ملك الله كما يسميه كثير من الفقهاء، فإذا خرجت هي من ملكه كيف يستردها؟
لو أن هذا الإنسان وقف لمسجد مثلا كما هو صنيع كثير من الناس الآن، لو خرجت من ملكه إلى ملك المسجد، المسجد سيملكها مباشرة بمجرد أن تخرج العبارة وأن يصح الوقف، المسجد سيملك هذه الأرض، إذاً الآن ملكها المسجد، فكيف آخذها أنا من المسجد؟ إذا دخلت في ملك غيري، الآن من شمولات المسجد ومن أوقافه، كيف يصح لي أن أردها ما دام الوقف صحيحا؟ لذلك أقول: إن هذا الوقف لا يصح التراجع عنه، وهو الرأي الصائب الذي عليه ظاهر الأدلة.
هنالك رأي آخر، واختاره قانون معنا في سلطنة عمان، أنه للواقف أن يرجع عن وقفه ما دام الواقف حيا، وهو رأي مبني على رأي قال به الإمام أبو حنيفة حينما نص على أنه يجوز للواقف أن يرجع عن وقفه، لكن الرأي الأقرب إلى الصواب والذي عليه الفتوى معنا، والذي عليه أكثر أهل العلم، أنه لا يصح للواقف أن يرجع عن وقفه ما دام الوقف… إذن لا يصح لك أن ترجع عن وقفك.
لكن قد لا يكون هنالك رجوع عن الوقف، ولكنه يتاح تغيير جهة الوقف أن تكون الجهة الأخرى للوقف أقرب إلى تحقيق مقصود الشارع، بأن تكون المنفعة التي تلحق الموقوف عليهم وتلحق الناس أعظم من المنفعة التي عليها الوقف السابق. إذن يصح لك أن تغير جهة الوقف إن كانت هنالك مصلحة تعود على الموقوف عليه، لكن لا يصح لك أن تتراجع عن الوقف.
مثال ذلك: جاء إنسان وقف أرضا كبيرة وشاسعة وجعلها لمقبرة، وأرضهم أو بلادهم مليئة بالمقابر، مقابر كثيرة معهم، مقابر كثيرة، وهذه المقابر غير ممتلئة، والأرض التي وقفها لتكون مقبرة قد لا يكون هنالك انتفاع لها أو اضطرار إليها إلا بعد ثلاثين عاما أو أربعين عاما، فيقول: هل يمكن أن أغير هذا الوقف من أن يكون وقفا لمقبرة إلى أن يكون شيئا آخر فيه مصلحة أخرى، وقف تستوفى منافعه مباشرة ويؤدي للناس منافع أعظم من منفعة المقبرة؟
هنا يمكن أن يُجاب مثل هذا الإنسان، أن نقول: إنه يصح لك أن تغير، هي ستبقى وقفا، لكن يصح لك أن تغيرها لمشروع آخر، لموضوع آخر، هي وقف لكنها ستنفع الفقراء والأحياء، ونحن نغلب دائما مصالح الأحياء على مصالح الأموات إن كان هنالك تعارض، فالحي يغلب ويقدم، ومن هنا نقول له: إن وقفتها للفقراء، وإن ملكتها الفقراء في هذا الحال، فإنه يصح لك ذلك ولا حرج عليك. إذن هنا لم يرجعها إلى نفسه، وإنما الذي قام به أنه غير جهة الوقف لكونها إلى جهة أنفع وأعظم؛ لأن المراد المصلحة والمنفعة.
وهذا الأمر يُذكر كثيرا في مواضيع عندنا في الأوقاف، نقول به، وسنقول به في النذور، وسنقول به في الأيمان، حينما يكون الشيء الذي يغيره الإنسان بعد أن التزمه أعظم… الفقهاء يقولون: من نذر أن يعتكف في المسجد الأقصى لا يصح له أن يعتكف في مسجد سوى المسجد النبوي والمسجد الحرام، ومن نذر أن يعتكف في المسجد النبوي فلا يصح له أن يغيره وأن يعتكف وفاء بنذره إلا في المسجد النبوي أو في مسجد أعظم أجرا من حيث الإقامة فيه، وهو المسجد الحرام، ومن نذر أن يعتكف في المسجد الحرام فلا يصح له أن يعتكف في مسجد آخر؛ قالوا: لأن الأجر أعظم، ويريد الأجر للقرب من الله تعالى، والقرب هنا يكون متاحا أكثر من سواه، وهكذا في الأيمان أيضا وفي النذور والأوقاف والوصايا، هذا كله يفسر هذا التفسير، وكذلك نحن سنفسر به الأوقاف، نقول: إن كان في الوقف أو في جهة الوقف شيء مغاير يحقق المصلحة بصورة أعظم من الصورة السابقة فإنه لا حرج في ذلك، والله تعالى أعلم.
أما الرجوع عن الوقف بالكلية فنقول: إن هذا غير مشروع، والله تعالى أعلم.