⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
هنا علينا أن نعلم شيئًا: أن الأصل في الإنسان أنه لا يجب عليه شيء دون أن يوجبه الشرع. نحن إذا جئنا إلى الشرع جعل الأمر بالزواج في الواحدة، والجماهير من أهل العلم يقولون إن الأصل في الزواج أنه غير واجب –مطلق الزواج– أنا أقول: على كل من طاقت نفسه إلى الزواج وكان قادرًا عليه ولم يخشَ على نفسه أن يظلم الطرف الآخر، أي أن يترتب على هذا الزواج ظلم للطرف الآخر، الأصل فيه أنه واجب ويأثم الإنسان بتركه، أما من كان غير قادر على الزواج ماديًا، أو كان غير قادر على الزواج إداريًا أيضًا بأن يلزم من زواجه ظلم لطرف آخر، مثل هذا لا يجوز له الزواج فضلًا عن أن يكون هذا الزواج مباحًا.
الفقهاء يذكرون قضية –وهذا كله كما قلت في الزواج بالمرأة الواحدة– والزواج بأكثر من واحدة باتفاق لا يجوز، باتفاق لا يجب.
هنا نقول شيئًا: يقول الفقهاء: إن تعارض عند إنسان أمران: الأمر الأول أنه يخشى الوقوع في الحرام، والأمر الثاني أنه يخشى ظلم المرأة التي يقترن بها، فهو عنده سبب موجب للزواج هو خشية الوقوع في الحرام، ويعلم أنه إن تزوج فلن يقع في الحرام، وفي الجانب الآخر عنده سبب مانع من الزواج هو ظلم المرأة التي يتزوجها، هذان سببان متعارضان، قال الفقهاء: إنه يُغلَّب السبب المانع والمحرِّم على السبب الموجب، فلا يجوز لهذا الإنسان الذي يخشى من زواجه أن يظلم المرأة لا يجوز له أن يتزوجها.
قد يقول قائل: كيف يعلم الإنسان من نفسه أنه يظلم الطرف الآخر؟ الإنسان عليم بنفسه حينما يعاشر الآخرين وحينما يتعامل مع الآخرين هل يظلمهم أم لا؟ من كان يعلم من نفسه أنه لغضبه لا يستطيع أن يتمالك نفسه، وأنه يضرب المرأة ويظلمها، أو يحرمها حقها في الإنفاق أو نحو ذلك، هذا كله ظلم لا يجوز، وهذا الضرب أيضًا لا يجوز، كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم حينما سئل عن أناس يضربون نساءهم فغضب صلى الله عليه وسلم من ذلك وقال: «ما أولئك بخياركم؟ خياركم خياركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي». فهذا الضرب اعتداء لا يجوز، هذا الضرب اعتداء لا يجوز.
إذن هذه كلها أسباب تجعل الإنسان لا يتزوج، ومن حيث الأصل على رأي جماهير الفقهاء الزواج سنّة وليس بواجب، إذن إذا كان هذا في الزوجة الأولى فماذا سنقول في الزوجة الثانية؟ نقول: إنه يتأكد –إذا لن نستطيع أن نقول إنه يجب على هؤلاء الزواج بالثانية– على أن الزواج بالثانية هذا الأمر مباح، ربنا سبحانه وتعالى أباح نساء مثنى وثلاث ورباع، هذا بنص القرآن الكريم، لا أحد يستطيع أن يحرّم هذا الأمر، فالنص جلي في وضوحه، لكن مع قيد ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾، وكثير من الفقهاء –والظاهر أنه هو الأرجح– يقولون إن السنة في الواحدة، وإن التعدد خلاف الأصل، ولذلك فالتعدد لا بد له من سبب، ليس على سبيل الاشتراط وإنما على سبيل الأفضل، فقهاء كثيرون يقولون هذا، ولعل هذا هو الأولى وهو الأقرب إلى الدليل.
لكن مع ذلك كله ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ أي إن كان هنالك خوف، يعني ليست القضية أنه يقين، إن كان هنالك يقين أنه لن يعدل في تعامله فهذا يحرم معه أن يتزوج الزوجة الثانية، لكن إن كانت هنالك خشية: أنا أخاف على نفسي أني لا أعدل، أخاف، فهي الخشية من عدم العدل وليست هنا يقينًا أنه سيظلم، في حال اليقين أنه سيظلم ولن يعدل، هذا يحرم عليه الزواج بالثانية قولًا واحدًا لظاهر هذه الآية.
ومن هنا أقول: إنه مع وجود مثل هذه الأمور لا يجوز، أنت الآن كيف ستلزم الآخرين أن يتزوجوا الثانية؟ ثم إن العدل المسوّغة للزواج بالثانية هو القدرة على إدارة بيتين أو ثلاثة أو أربعة، لا يكون حال هذا الإنسان لأنه يريد أن يُحسن إلى غيره، أن يُحسن إلى امرأة هي عانس أو أن هذه المرأة أرملة أو مطلَّقة، وهو يريد أن يحسن إليها، وفي الجانب الآخر يرجع بالظلم أو بالضرر على أهل بيته الأول.
هنالك حالات كثيرة –الحالات يعني كوني عملت أولًا في القضاء، ثم عملت بعد ذلك في الإفتاء– حالات متعددة كثيرة، أناس لا يتقون الله تعالى في الزواج بالثانية، هو مباح شرعًا ولا إشكال في ذلك، لكنه لا تكون هنالك تقوى لله سبحانه وتعالى.
فعلى أي حال القضية أنه توجد عوانس وغير ذلك، فعلًا هي قضية لا بد للمجتمع من أن ينظر إليها، لكن هذا النظر لا بد من أن يكون نظرًا موافقًا للحكمة، لا أن يُحدث لنا آثارًا سلبية أخرى، فليس الناس كلهم سواء في قدرتهم على تحمّل إدارة بيتين –سواء كان ذلك ماديًا أم كان ذلك نفسيًا ومعنويًا– أنا أرى أن القدرة النفسية والمعنوية على حسن الإدارة هذه قدرة لا يُؤتاها كل أحد، قليل من الناس يُؤتون ذلك، من أوتي هذه القدرة دون أن يُدخل ضررًا، دون أن يُدخل مشقّة على أحد، فلا حرج.
إذن لا نستطيع أن نقول: إن من لم يتزوج من هؤلاء بثانية آثم، بل الأصل أن التعدد مباح مع القدرة والعدل، وليس واجبًا على الرجال، والله تعالى أعلم.