⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
هذه القضيّه يجب أن يُنظر إليها باعتباراتٍ عدة، يُنظر إليها من حيث النظر إلى الكم الهائل من العوانس اللواتي فقدن من يقوم بشأنهن، أو فقدن الأمل في وجود من يشاركهن ويشاركنه الحياة، بسبب أن مرحلة الزواج الطبيعية المعهودة كادت تتجاوزهن، فهن يَعِشْن في مِحنة ويَعِشْن في مأسَاة ويَعِشْن في اضطراب.
كل واحدة بفطرتها ترغب في أن تربط مصيرها بمصير رجل يشاركها هموم الحياة وتشاركه ويُقاسيها أرياحَ الحياة وصَابَها وتقاسمه، بحيث يشتاران جميعًا كل ما تُفرزه الحياة من مِنة أو مِحنة، وكل واحدة بطبيعتها تتطلع إلى أن تكون أمًّا، ولكن أن تتحقق لها هذه الرغبة وهي لا تجد شريك الحياة، أو كما يُعبَّر بلغة العصر لا تجد فارس الأحلام؛ لذلك كانت هذه مأسَاة.
ولا يكاد يشعر بهذه المأسَاة إلا من حُرِمت نعمة الزواج وحُرِمت نعمة الأمومة وحُرِمت نعمة الاشتراك مع رجل في اختيار شهد الحياة وصابها؛ فلذلك نجد النساء اللواتي يَنْعَمْن بالأزواج يتمسكن بأزواجهن ولا يُرِدْن بحالٍ من الأحوال أن يُزاحِمْهُنَّ في ذلك أحد، ولا يُبالين بهموم الأخريات، مع أنه من الواجب أن تفكر كل واحدة من النساء بتفكير المجتمع كله، وأن تضع نفسها في مكان العانس التي لم تجد من يشاركها هموم الحياة وأفراحها.
فلذلك – أي بهذه الروح – يمكن للفتيات أن يُدركْنَ قيمة التعدد وحِكمة مشروعية التعدد، فإن التعدد إنما شُرِع لحكمةٍ علمها الله تبارك وتعالى؛ فكم من حروب تطحن البشر طَحنًا، وتهلك الحرث والنسل، وتقضي على رجال الأمة قضاءً، هؤلاء يتكون وراءهم أيَّامَى، هذه الأيامى قد تفقد إحداهن الزوج في مطلع شبابها ومستهلِّ عمرها الزوجي، ولا تجد من يعوّضها ما فقدته إن لم يُفتح هذا الباب.
وكذلك بالنسبة إلى العوانس اللواتي فاتهن قطار الزواج الطبيعي، هن أيضا يَعِشْن في مأسَاة كبيرة، وهناك مآسٍ متعددة؛ فلذلك يجب النظر إلى هذه القضية بكل هذه الاعتبارات.
وأنا لا أقول بأنه يُرخى الحبل على الغارب ويُسمَح لكل أحد أن يتلاعب، بحيث يتزوج تارة ويطلّق أخرى، ويحرص على التعدد حتى مع عدم العدل، وإنما التعدد مشروط بالعدل ومشروط بوجود القدرات المختلفة: القدرات الجسدية والمالية والاجتماعية، بحيث تتوفر للإنسان الطاقات على اختلاف أنواعها، في هذه الحالة يُشرع له التعدد مع العدل ومع مراعاة حق كل واحدة من الزوجتين، بحيث لا يكون بناء البيت الثاني على حساب البيت الأول الذي يتهدّم ببناء البيت الثاني، وإنما كل بيت منهما يُحافَظ عليه، يُبنى بيتٌ من جديد مع الحفاظ على البيت السابق.
ومن المعلوم أن العوانس والأيامى – لا سيما الشابات منهن – يَمِلْنَ إلى التعدد لأجل أنهن لا تُحل مشكلتهن إلا بذلك، أما الطرف الآخر فإنهن يتمسكن بالأزواج تمام التمسك حتى لا يشاركهن غيرُهُنَّ في نعمة هذا الزواج.
كما قلتُ: القضية تُحَل بتهيئة النفوس لتقبُّل ذلك، والنظر إلى هذه المشكلة وعمقها في المجتمع وآثارها السلبية التي تُخلِّفها في المجتمع؛ لأن من فقد الزواج إمّا أن يُعاكِسن الفطرة، ويظللن كذلك معها في صراعٍ وعراك، ويَعِشْن مع ذلك في أمراض نفسية وعصبية، وإما أن يؤدّي الأمر – والعياذ بالله – إلى انفجار تتحطم معه الأخلاق وتتلاشى معه القِيَم.
فعلى الكل أن يُدرِك عُمق هذه المشكلة، وأن الحل الإسلامي هو الحل الأمثل، على أن هناك أسبابًا متعددة تدعو للتعدد، ولكن – كما قلت – في إطار الأخلاق والقيم التي شُرِعت في الإسلام، بحيث يُوفَّر لكل واحدة حقها الشرعي من غير أن تُهضَم حقوقها.
ونرجو أن تتهيأ النفوس لهذا، وأن يتهيأ الرجال أيضا للعدل في هذا الأمر، وأن يُدركوا أنهم عندما يقدمون على هذه الخطوة محاسَبون أمام الله سبحانه وتعالى، ومطالبون بالعدل، ومطالبون بأن يكون التعدد لأجل حل المشكلات لا لأجل مجرد قضاء الشهوات، والله تعالى المستعان.