⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
قوله عز وجل: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات: 77]، الذرية عائد إلى نوح عليه السلام، أي بعد الطوفان الذين بقوا هم ذرية نوح عليه السلام، وقد قال ابن عباس وغيره استنباطا من هذه الآية إن من نجا من المؤمنين مع نوح عليه السلام من غير أهله لم يُعقِّبوا، أي لم يتركوا ذرية بعد نجاتهم من الطوفان، وأن كل الذرية التي بقيت بعد الطوفان هم من أبناء نوح عليه السلام، ولذلك يُسمى الأب الثاني للبشرية، وهذا استنباط من هذه الآية الكريمة، وبهذا لا تعارض بين قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾، مع قوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ [الإسراء: 3].
وهنا مسألة تكلَّم عنها المفسرون وأهل التاريخ قديما وحديثا، وفي هذا العصر تكلم فيها أيضا العلماء، أي علماء البيولوجيا والعلماء الذين ينظرون في طبقات الأرض ويتتبعون الآثار، هي مسألة: هل طوفان نوح عليه السلام عمَّ الكرة الأرضية كلها أم كان في جزء منها؟ وهنالك أكثر من اتجاه في هذه المسألة:
منهم من يرى أن الطوفان عمَّ الكرة الأرضية كلها، استدلالا بأن الله تعالى ذكر كلمة الأرض عندما ذكر الطوفان، وأنه لم ينجُ إلا نوح ومن معه، فهذا يدل على أن الطوفان قد شمل الكرة الأرضية كلها.
ومنهم من يقول بأن الطوفان كان في جزء محدود من الكرة الأرضية، وهو في المنطقة التي فيها جبل الجودي، وهذا الجبل بالمناسبة معلوم وتم اكتشافه، وما زال يُعرَف باسمه، والمنطقة التي هو فيها معروفة كذلك، ووجِدت آثار تدل على وجود رواسب مائية عذبة عميقة هناك، ورواسب طينية، مما يُسترشَد به على أن الطوفان وقع في تلك المنطقة أو قريبا منها.
وهنالك مذهب ثالث وسط بين هذين المذهبين، يقول بأن الطوفان لم يشمل الكرة الأرضية كلها، وإنما كان في المنطقة التي كان فيها نوح مع قومه، على أن البشرية كانت في بداية تكوُّنها، وكانت أغلب الكرة الأرضية غير مأهولة لا يوجد فيها أحد، وكان البشر مجتمعين في هذه المنطقة التي وقع فيها الطوفان، فوقع الطوفان هناك فأهلك كل من لم يكن في السفينة، ونجا نوح ومن معه، ثم كان التعقيب أو الذرية في أولاد نوح عليه السلام.
وهذا القول هو القول الأقرب: أن الطوفان لم يشمل الكرة الأرضية كلها، لأن البشرية في بداية تكونها، فلا حاجة لأن يشمل الطوفان جميع الكرة الأرضية، وأيضا الدراسات العلمية تقوِّي هذا بما وُجد من آثار تدل على أن هذا الطوفان إنما كان في قدر أو في مكان محدود وليس في كل الكرة الأرضية، ولو كان هذا الطوفان شمل الكرة الأرضية، فكان من المرجَّح أو مما يغلب على الظن أنه سيشيع وينتشر ويبقى ذكره ظاهرا.
وعلى كل حال، القرآن الكريم لا يوجد فيه نص صريح حتى يُقال بأن هذا الرأي أو ذلك الرأي فيه مخالفة، لأن إطلاق الأرض على الجزء من الأرض وارد في كتاب الله تعالى، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا﴾ [الأعراف: 137]، مع أن قوم موسى عليه السلام الذين نجاهم الله لم يرثوا الكرة الأرضية كلها، وإنما المقصود تلك الأرض المخصوصة، فكذلك ما وقع في قصة نوح عليه السلام إنما في الأرض التي كانوا فيها، لكن البشرية كانت محصورة أيضا في ذلك المكان لقلة الناس في ذلك الزمان.
والله تعالى أعلم.