⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
جميل الريامي يقول: كيف نوفق بين قوله تعالى في سورة الإسراء: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾، وفي قوله تعالى في سورة الصافات: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾، حيث ذُكرت الآية الأولى قوما غير ذرية نوح عليه السلام كانوا معهم وبقيت ذريتهم، وفي الآية الثانية حصر البقاء بعد الطوفان لذرية نوح عليه السلام فقط؟
مع أني لم أفهم الإشكال جيدا، لكن الذي يظهر لي أن السائل وقع في شيء من الإبهام؛ إذ ما ورد في الآيتين الكريمتين –في آية الإسراء وفي آية الصافات– بينهما تكامل، ليس هناك أدنى ظاهر تعارض.
في الإسراء يقول: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء: 3]، بعد قوله تبارك وتعالى: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وَكِيلًا﴾ [الإسراء: 2].
وفي آية الصافات يقول ربنا تبارك وتعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات: 77]، وهذه الآية الكريمة أخذ منها العلماء –أي آية الصافات– أن نوحا عليه السلام هو الأب الثاني للبشرية؛ لأن الآية صريحة في أن نسل نوح هو الذي بقي من بعد، قال: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾، وكانت العرب تعلم ذلك، أنهم من ذرية نوح عليه السلام.
وفي آية الإسراء، بكل التوجيهات الإعرابية لنصب «ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ»، فإن سواء قيل بأنه بالنداء: «يا ذريةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ»، أو بالاختصاص: «أخصُّ ذريةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ»، أو بكل الوجوه الإعرابية التي ذكرت في نصب «ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ»، فإن المخاطبين والمتحدث عنهم يعلمون أنهم من ذرية نوح عليه السلام.
فبنو إسرائيل ينتسبون إلى سام ابن نوح –أو يزعمون هكذا– وإلى يوم الناس هذا، وهم يتعلقون بهذه الدعوى ويدَّعون لأنفسهم منزلةً ومكانًا كأنه فوق سائر بني البشر؛ لأنهم من ذرية سام ابن نوح، ويعدون من يتنقص منهم متنقِّصَ أميَّةٍ كلها كما لا يخفى على أحد. ولئن كان أيضا الخطاب يدخل فيه أيضا العرب المخاطبون بكتاب الله عز وجل في المقام الأول –أي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وقومه– فهؤلاء أيضا يعلمون أنهم من ذرية نوح عليه السلام.
وهذا أيضا ما حصل في قوله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ [الحاقة: 11]، كما تقدم في جواب سابق، إذا فالمخاطِب –أو المخاطَبون– يعلمون أنهم من ذرية نوح، وهذا يتفق مع ما ورد في قوله تبارك وتعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾.
أما مناسبة ذكر ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ في بدايات سورة الإسراء، فقد تقدم أيضا الجواب عنها في مناسبة سابقة، والآن وردت إشارة أن هؤلاء –وسيكون الخطاب عن بني إسرائيل في سورة الإسراء التي من أسمائها الصحيحة الثابتة «سورة بني إسرائيل»، وموضوعها في صدارة موضوعاتها الحديث عن بني إسرائيل– فهؤلاء ينتسبون إلى سام ابن نوح.
ويُزعم أن كنعان ابن يافث قد حلت عليه لعنة الرب بدعاء نوح عليه السلام عليه؛ لأنهم –حسب روايتهم في كتبهم القديمة عندهم في العهد القديم أو في التوراة– أن نوحا عليه السلام –حاشاه– قد شرب الخمر، كان قد شرب الخمر فتعرى، فرآه يافث والد كنعان، فأخبر أخويه سام وحام، فضحك كنعان، أما سام وحام فإنهما أخذا رداء، فأخذا يعني أباهما وغطياه وأرجعاه، فلما أفاق وأخبر بما حصل، فإنه بارك سام وذرية سام، ولعن كنعان ابن يافث، مع أن الذي رآه كان يافث، لكنه لعن كنعان، وفي لعنته إياه ودعائه عليه صيَّره عبدا هو وذريته عبيدا لذرية سام؛ لأن كنعان هو المنافس السياسي لهم في منطقة الشام، الكنعانيون.
يعني التسييس؛ التحريف للتسييس ولخدمة المآرب والمقاصد ليس شيئا جديدا عندهم، والتنقص من منزلة الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام أيضا ديدنُهم وشأنُهم، بل تحقيرٌ وتنقصٌ من الذات العلية لله تبارك وتعالى أمر غير خافٍ في كتبهم.
موضع الشاهد: أن الآية الكريمة تذكرهم بهذا الأصل، وتقول: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾، فنوح عليه السلام كان من عباد الله الشاكرين، المبالغين في الشكر والحمد والاعتراف بنعم الله تبارك وتعالى، وأن ما يُنسب إليه لا يتناسب مع هذه المنزلة، ومع مكانته، ومع جعله قدوة، مع ما تقدم: ﴿أَلَّا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وَكِيلًا﴾، فالخطاب لهم؛ لأن ذلك في صميم رسالة موسى عليه السلام: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، خص هذه الوصية، قال: ﴿أَلَّا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وَكِيلًا﴾، فالوكيل هو الله تبارك وتعالى وحده، قال: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾.
والربط أيضا: أن نوحا عليه السلام نُجِّي من الغرق، نُجي في الفلك أو في السفينة من الغرق، وأن بني إسرائيل نجوا من فرعون وجنوده أيضا بإنجائهم من الغرق وبإغراق عدوهم، وفي نوح، الذين كفروا بالله تبارك وتعالى أُغرِقوا، وهؤلاء –فرعون وجنوده– أُغرقوا، نوح عليه السلام نُجي من الغرق ومن معه من أهله ومن من آمن معه، وموسى عليه السلام نُجي من الغرق هو ومن آمن معه من بني إسرائيل.
فهناك كثير من المشتركات التي تذكرهم بهذه المعاني الإيمانية، وتمهد لما سيأتي الحديث عنه في هذه السورة، وكما قلت: هذا يتفق تماما مع ما في قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾.
استطرادا: ذَكر بعض المفسرين أن هذا أيضا يتفق مع ما ورد في سورة هود: ﴿قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِّنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ﴾ [هود: 48]، ﴿وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [هود: 48]، قال: ﴿قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِّنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ﴾، ثم قال: ﴿وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ﴾.
قيل: بأن هذه الأمم هي من غير الذين آمنوا مع نوح، ومن غير ذرية نوح؛ قيل هذا القول عند من يرى أن الطوفان لم يكن عاما، وأن الإهلاك لم يكن إلا لقوم نوح، وهذا قول موجود عند المفسرين.
وقيل: بأن هؤلاء –لأن الله سبحانه وتعالى ما جعل النسل الباقي إلا في ذرية نوح– فلذلك عطف هناك، قال: ﴿عَلَيْكَ وَعَلَىٰ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، فهؤلاء لم تبقَ؛ لأنهم أُخرجوا، كانوا من «ممن مع نوح عليه السلام»، ولكنهم مع تطاول الأيام ظهر فيهم الكفر وفي ذرياتهم، فأصابهم ما أصابهم، فما شملهم –يعني– إلا لحين، قال: ﴿وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، وفيه أيضا تعريض ببني إسرائيل، وفيه تعريض بمشركي مكة؛ أن ذلك النسب لن ينفعهم، يعني ليس لهم امتداد، وأن المسألة مسألة إيمان بالله تبارك وتعالى وأداء لحقوقه سبحانه وتعالى.
إذا هذا الذي يمكن أن يوضِّح، وأقف عند هذا القدر.
والله تعالى أعلم.