⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
هذه المسألة مسألة مهمة، وسأكرر مقدمة قلتها كثيرًا للجواب عن هذا السؤال –أي المقدمة للجواب عن هذا السؤال– باختصار:
القرآن الكريم ليس سجلًّا تاريخيًّا يدوِّن الأحداث بحسب تسلسلها الزمني؛ هذا مما ينبغي أن ننتبه له؛ فإذا جاء سياق فيه ذكر لأُمَمٍ وأقوام أو لأنبياء ومرسلين في كتاب الله عز وجل –في السورة الواحدة أو في سور متعددة– فإن الغرض والغاية من ذلك السياق، والمعاني المقصودة من ذكر هؤلاء الأقوام ورسلهم وأنبيائهم عليهم الصلاة والسلام، هي التي تكشف عن سر الترتيب؛ إذًا فليس الأصل مراعاة الترتيب الزمني، وإنما الغاية هو الغرض في ذلك السياق القرآني، سواء كان في السورة كلها، أو كان ذلك في ذلك الموضع من السورة الذي ورد فيه الترتيب.
هل يعني هذا أن الترتيب الزمني مُهمَل؟ لا؛ هناك مواضع فيها مراعاة للترتيب الزمني، وكثيرًا –كما قال السائل– ما تَرِد ثمود بعد عاد، لكن هذا أيضًا ليس في كل المواضع، وليست الكثرة أيضًا كثرة طاغية.
الآن نأتي إلى الجواب عن السؤال بعد هذه المقدمة:
سورة ص في صدارة موضوعاتها ومقاصدها كشفُ أحوال ذوي الجبروت والخصومات؛ هي أكثر سورةٍ تعرض خصومات –يعني بصيغة الخصومة– وتتحدث عن أحوالهم؛ أحوال الأقوام الذين بُعِث فيهم الأنبياء والمرسلون؛ هؤلاء الأقوام من ذوي الجبروت والطغيان البالغ الشديد العظيم، وكيف كان حالهم من بعد، كما تحكي أيضًا قصص جملةٍ من الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وكيف أورثهم الله تبارك وتعالى النصر والعزّة والتمكين ونشر كلمة الحق في الخلق؛ ذكرت قصة داود وسليمان وأيوب وإبراهيم من بعد؛ يعني هذا يدل على أن الترتيب الزمني غير مُراعًى في سورة ص.
لكن في صدارة –أؤكد– أن في صدارة موضوعات سورة ص: بيان مواقف العُتاة المجرمين من القرون التي بُعِث فيها الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وهم الذين واجهوا أنبياءهم متحزِّبين، وفرادى، وبالقوة والشوكة، وبتسفيهٍ واستهزاء؛ هذا لا بد أن يكون حاضرًا لنفهم سورة ص.
الآن سينكشف المعنى: لماذا هذا الترتيب الوارد في الآيتين الكريمتين؟
في صدارة السورة ربنا تبارك وتعالى يقول: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ [ص: 1-2]؛ هذا لما قلت بأن السورة الكريمة تكشف من بدايتها أن موضوعها سيكون كشف أحوال هؤلاء العتاة الذين تحزّبوا لمواجهة دعوات الحق على لسان الأنبياء والرسل.
قبل هاتين الآيتين –آية السؤال– ربنا تبارك وتعالى يقول: ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ﴾ [ص: 11]، قبل ذلك كما قلت في صدر السورة قال: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾، ثم قال في الآية قبل الآيتين: ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ﴾، ثم قال في ختام الآيتين: ﴿أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ﴾ [ص: 13] بعد قوله: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ﴾ [ص: 12-13].
إذًا: إظهار هذا الجانب من مناهَاةِ الرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام، وخُصومةِ الحق الذي أتى به هؤلاء الأنبياء والرسل، والتحزُّبِ ضد الأنبياء والرسل ودعوةِ الحق، والتعنُّتِ في وجوه الأنبياء والرسل ودعوتهم عليهم الصلاة والسلام، مقصودٌ إظهاره؛ ولذلك ابتدأ بالأشدِّ عُتُوًّا ونُفورًا؛ ابتدأ بقوم نوح عليه السلام؛ وهنا يحضر العنصر الزمني على اعتبار طول المدة أيضًا، ثم إن الله تبارك وتعالى وصفهم بأنهم أظلم وأطغى، وقال: ﴿مِمَّنْ خَلَقْنَا﴾ [الفرقان: 35] في سياقات أخرى، ووصف مكرهم –وهو الموضع الوحيد– بأنه: ﴿مَكْرًا كُبَّارًا﴾ [نوح: 22]؛ فهذا يكشف عن طبيعتهم، وما أشرتم إليه من طول المدة، فما آمن معه إلا قليل.
فإذاً: فقوم نوح فيما يتعلق بالعتو والطغيان والعزة والشقاق والتحزّب على دعوة الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام هي الأظهر.
ثم قال: «عاد»، وعاد –ويعني نبي الله هود عليه السلام– لاقى من قومه أشد أنواع الاعتراض والخصومة والمناوأة والتحزّب وتنويع وسائل الاعتراض والمجادلة والخصومة التي لاقاها، ولذلك ربنا تبارك وتعالى يقول: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾ [الفجر: 6-9]؛ هنا أخَّر ثمود عن عاد؛ لأن الذي كشف لنا القرآن الكريم من فعل قوم ثمود أنهم ذبحوا الناقة، لا غير، لم يذكر غيرَ ذلك سببًا مباشرًا للهلاك؛ هم تعنَّتوا وخصموا نبيهم عليه الصلاة والسلام –خصموا صالحًا عليه السلام– لكن الذي كان سببًا لحلول الإهلاك بهم هو ذبحهم للناقة.
أمّا فرعون فذكر لنا القرآن الكريم كيف واجه موسى عليه السلام بجيوشه وبملاحقته ومتابعته ومَن معه؛ فهذا الترتيب إذًا رُوعي فيه ما يتعلق بشدة الخصومة والتعنّت والتجييش والتحزّب والمواجَهات بشتى أنواعها، فَرُوعِي هذا الترتيب؛ ولذلك فالسياق القرآني هو الذي يؤكده.
قبل هذا الموضع ورد: ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ﴾، وهنا وصفهم فقال: ﴿أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ﴾؛ مثل هذا وأعجب منه في سورة ق.
والله تعالى أعلم.