⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما بعد، فإنه لا يخفى أن الصلاة هي الأساس الذي يبني شخصية المسلم، فهي عمود الدين، هي الركن العملي الأول، فإذا استقامت الصلاة استقام سائر عمل هذا المكلَّف، وسَعِد في دنياه وغَنِم في آخرته.
وربنا تبارك وتعالى يبيِّن في كتابه الكريم أن هذه الصلاة هي التي تقوم سلوك هذا المكلَّف بنهيه عن الفحشاء والمنكر حينما قال: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ [العنكبوت: 45]، وهذا يعني أنها تنفي عن هذا المسلم كل خصال السوء وتبعده عن الرذائل، تقوم له مساره في هذه الحياة الدنيا، وتحمله على أن يتحرَّى مواضع قدميه فيها، فيسير على هدىً من ربِّه، ويلتمس الصراط المستقيم، ويحضر في نفسه مراقبة الله تبارك وتعالى له، فهو دائم الذكر لله تبارك وتعالى، متذكِّر؛ إذا فرغ من صلاة فإنه ينتظر الصلاة الآتية، ولهذا فإن قلبه يعمر بتعظيم الله عز وجل وإجلاله، ويجد أن هدفه في هذه الحياة واضح، وأنه يعلم أنه مطلوبٌ منه أن يعبد الله عز وجل وحده، كما أنه محتاج إلى هذه العبادة ليقوِّي صِلته بربِّه تبارك وتعالى، وليملأ قلبه حبًّا ورغبةً وهيبةً وأجَلًا لله عز وجل، ولأنه يبتغي رضوانه في الآخرة.
كل هذه المعاني هي المعاني التي يجب أن ينشأ عليها الناشئة، وأن يُعوَّدوا على الصلاة بمعانيها، بروحها، بجوهرها كما يُعوَّدون على ظاهرها وشكلها، يُعرَّفون على هذه المعاني قَدْر ما تستوعبه أفهامهم، يُشوَّقون إليها، يُحبَّبون فيها، يُبيَّن لهم عاقبة أمرهم في الدنيا والآخرة، يُقرَن بين هذه الصلاة وبين صلاح أحوالهم واستقامة سلوكهم وتهذيب أخلاقهم وتعزيز صِلاتهم بإخوانهم من أترابهم أو ممَّن هم أكبر منهم سنًّا أو أصغر سنًّا في المساجد، يُبيَّن لهم أثر الصلاة في إعانتهم على ضبط أوقاتهم وعلى ضبط دراستهم.
فهذه المعاني لا يستغني عنها مربٍّ، كما لا يستغني عنها من هو تحت هذه التربية؛ فإذا تمكَّنت هذه المعاني وانغرست هذه المفاهيم، فإن سلوك الأفراد سوف تتحقق فيه هذه المعاني المودَعة في الصلاة من استقامة السلوك، ومن تَهذُّب هذه الطباع، ومن الأخلاق الحسنة الفاضلة الكريمة، ومن السير على الصراط المستقيم، ومن مراقبة الله تبارك وتعالى، ومن اليقين بأن كلَّ شيء إنما هو بيده سبحانه وتعالى، ومن التعرُّف على حقيقة هذه الدنيا وأنها إلى زوال، وأن الذي ينفع المسلم فيها إنما هو عبادته لله تبارك وتعالى، وأن بنيان هذه العبادة إنما يقوم على أُسُسٍ متينَةٍ من أداء هذه الصلوات في أوقاتها، في الجماعة، في المساجد.
وكذا الحال للإناث، لا يقتصر الأمر على تنشئة الذكور فقط على الصلاة ومواقيتها وإتيانها في المساجد، بل لا بد أيضًا أن تُنشأ الفتيات على هذه المعاني بتدريبهن على الصلوات في جماعة ولو في البيوت، وبأن تقوم الأمهات والآباء بإعطاء القدوة الحسنة من أنفسهم، وبتفهيمهم لمعاني الصلاة وما تحمله الصلاة من عِبَرٍ ودروس ومواعظ.
بهذا فقط يمكن أن تُحصَّن الناشئة من هذه الشبهات والشهوات المُلِمَّة بواقعنا المعاصر؛ فإن غُلْواء هذه الفتن عبر ما يتناوله الأطفال اليوم في وسائل التقنية الحديثة ليس بالشيء الهين السهل، فإن صادف خواءً روحيًّا وفراغًا فكريًّا فإنه يسهل أن يصير هؤلاء الأطفال ضحايا لمن يتصيَّد في هذا العالم المفتوح، يقعون ضحايا لغَبَشٍ فكري أو لابتزازٍ مالي أو لانحرافٍ سلوكي، بل لا مبالغة إذا قلنا – كما تشهد الأيام اليوم – لأسوأ أنواع الابتزاز الجنسي، ولتعرُّضهم للشبهات التي لا يجدون منها مخرجًا، فيصبحون أو يصيرون ضائعين في هذه الحياة، لا يعرفون لهم هدفًا، ولا يُقيمون للأخلاق وزنًا، لا يوقِّرون الصراط المستقيم ولا دين الله تبارك وتعالى، ينقلبون على آبائهم وأمهاتهم وأسرهم، ينقلبون على قيم المجتمع وثوابته ومبادئه.
كل ذلك إنما ينشأ بسبب التفريط في غرس هذه المعاني الروحية، وفي ملء ذلك الفراغ الذي يمكن أن يمروا به، وفي عدم تغذيتهم بالغذاء الفكري الصحيح المناسب؛ فالمسؤولية عظيمة، وإذا تُرك الأطفال دون بَهْهةٍ والتفاتةٍ بجدٍّ وحزمٍ قدر ما تستوعب عقولهم – وعقولهم تستوعب الشيء الكثير – لأنهم حينما يتعرَّضون لما يُضاد هذه الدعوة الصحيحة المستقيمة من دعوات الباطل والفساد والغي والضلال فإنهم يستوعبون ويفهمون ويتأثَّرون، فكيف لو كان ما يُدْعَون إليه قائمًا على أُسُسٍ صحيحة وعلى مراشد كتاب الله عز وجل وهدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والصالحين في هذه الأمة، ونُصِبَت لهم القدوات الحسنة، وعُرِّفوا بمشكلات هذا الواقع وكيفية الخلاص منها، وحُمِلوا على أداء الصلوات في أوقاتها، وعلى تلاوة كتاب الله عز وجل، وعلى المعاني الحسنة الجميلة في هذا الدين الحنيف؛ لا شك أنهم سيستوعبون الكثير، وستجيب نفوسهم وعقولهم وفِطَرهم لهذه المعاني، لا سيما بتظافر الجهود وتعاون الجميع من المربين والمشرفين وصُنَّاع القرار والقائمين على بيوت الله عز وجل والقائمين على المؤسسات التعليمية بمختلف درجاتها ومن كل غيور في هذا المجتمع، لكن لا بد من الجِد والاجتهاد والتعاون وترك التكاسل والتفريط، لأنه أفضى ويفضي إلى كثير من البلايا والرزايا التي يقع فيها الأطفال مما لا يخفى اليوم على أحد، بكل أنواع البلايا التي أُشير إليها وبأكثر من ذلك.
فهذه القضية لها صدارة اليوم، وإنما البحث فيما يتعلق بالصلاة لأنها عمود الدين، ولكن هذا لا ينفي أو لا يُبعِد من التذكير بسائر أركان هذا الدين وبأخلاقه وقِيَمه، وبوصل هؤلاء الناشئة بربِّهم تبارك وتعالى – مرة أخرى نقول – قدر ما تستوعب عقولهم وتحتمله نفوسهم، وبكل أساليب الترغيب والترهيب والتذكير والتحبيب، وإعطاء القدوة الحسنة، ومعرفة هذه الوسائل المعاصرة والتنبه لها وضبط استعمالهم لها؛ كل ذلك مما يعين بإذن الله تبارك وتعالى.