⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
لا بد – مرة بعد مرة – من التأكيد على أن هذه العبادات عظُمت أو قَلَّت في نظر المكلَّف، هي كلها تخرج من مِشكاة واحدة، مِشكاة الإيمان بالله تبارك وتعالى، والعبودية الخالصة له جل وعلا وحده؛ هذا لا بد أن يتذكره المكلَّف دائمًا: أنه ينطلق من إيمانه بالله تبارك وتعالى، وأنه يؤدي حق العبودية الخالصة له جل وعلا وحده؛ هذا الأمر الأول.
الثاني: أيضًا أن يتذكر أن صدقة الفطر فيها معنى الجَبْر والإتمام لما يمكن أن يكون قد وقع من خلل أو نقص في العبادة؛ هذا الشعور في حد ذاته لا بد أن يستصحبه المسلم: أن يتهم نفسه دائمًا بأنه قد قصَّر؛ أدَّى الذي عليه، ولكن إنما هي رحمة الله تبارك وتعالى وفضله الغامر، رحمته وفضله الغامر هي التي يرجوها؛ فيستصحب أنه بحاجة دومًا إلى أن يجبر ما يمكن أن يكون قد اعترى عبادته من خلل أو نقص.
أحيانًا يكون هذا الجبر مسمّى في الشريعة كصدقة الفطر؛ قال: هي طُهرة للصائم من اللغو والرفث، وقد لا تكون مسمّاة أحيانًا؛ فيحتاج إلى أن يجبر ما وقع في عبادته من خلل ونقص بمزيد من القُرُبات من أبواب النفل والطاعات، وأن يقصد ذلك، ينويه؛ هذا يورثه طمأنينة نفس، ويبعده عن الاغترار بما أدى من واجب الطاعة، فهو دائمًا يشعر بالتقصير دون أن يخرجه ذلك إلى حد اليأس من رحمة الله تبارك وتعالى، وإنما من باب تفقُّد عيوب النفس؛ فإذا به يسعى إلى أن يجبر ما وقع منه من خلل، وأن يجتنب الخلل ابتداءً.
يعني هنا الرواية قالت: «طُهرة للصائم من اللغو والرفث»، ففيه تنبيه أيضًا إلى أن يجتنب الصائم اللغو والرفث، وهذا كفارة بالنسبة له، وهذا كفارة – التي هي صدقة الفطر – كذلك الشأن في سائر أعماله إذا أودع الله تبارك وتعالى في صدقة الفطر هذا المعنى أيضًا.
ثم إن فيها – ما كنت قد ذكرته – من تعويد المسلم على البذل والعطاء بأوسع صورة ممكنة، ولو بعطاء يسير قليل: صاع من طعام، صاع من بُرّ، صاع من تمر، أو من بُرّ، أو من شعير، أو من أَقِطٍ، يدفعه إلى من هم دونه من الفقراء والمساكين؛ فقدر الصدقة يسير، ولذلك عمِّم حكمها ليشمل الرجل والمرأة، والصغير والكبير، بل حتى المواليد الذين يُولَدون ليلة العيد، فتُخرَج هذه الزكاة عنهم، لأجل أن يعتاد أفراد المجتمع المسلم على البذل والعطاء، أن تعتاد نفوسهم على ذلك، وأن يستجيبوا لداعي سدِّ حاجة الفقراء والمساكين.
حينما ترتاض نفوسهم على البذل والعطاء – هذا هو المعنى أو البعد الاجتماعي في صدقة الفطر – هذا البذل الواسع من حيث عمومه على الناس في المجتمع، لا على المكلَّفين وحدهم فقط، وإن قلَّ مقدار الصدقة نفسها، لكنه يؤكد معنى التماسك في المجتمع.
ما أحوجنا إلى كل ما يحفظ مجتمعاتنا من التشرذم، وما يمكن أن يركض فيها الشيطان برجله وخيله لإفساد ذات البين، وغرس العداوات والأحقاد والتحاسد بين الناس؛ فصدقة الفطر تحقق هذه المعاني.
فإذًا من أداء الصائم – أداء المسلم – لصدقة الفطر لا بد أيضًا أن يستحضر كل هذه الأسس والمعاني؛ لأنها مفاهيم أصيلة في هذا الدين، تنفي عنه أيضًا أن تكون مجرد عادة، أو أن تكون مجرد أمر يبرِّئ به ذمته غير مُستبطن للحِكَم والمقاصد التي أودعها الله تبارك وتعالى في صدقة الفطر.
فيها جانب يتعلق بأننا حينما ننظر في الأنواع – أنواع ما أرشد إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لتخرج منه زكاة الفطر – سنلحظ أن معنى الأمن الغذائي حاضر، معنى الاكتفاء فيما يتعلق بما فيه قِوام العيش حاضر في هذه الأصناف كلها، كم من القوت المُدَّخَر الذي هو قوام حياة الناس؛ فهذا المعنى أيضًا – على المستوى الجمعي للأمة – أن تلتفت إليه، وأن تكون لدى الأمة كفايتها من هذه – ما يُعرَف بالمواد الأساسية – أَيًّا كان، بزراعتها، باستيرادها.
الحاصل: حينما تتنوع هذه صدقة الفطر عامًا بعد عام – نحن نتصور اليوم عدد المسلمين يبلغ المليارين أو يُجاوِز – فلو قلنا: صدقة الفطر بأنها على من يستطيع، على الواجد لها، لو أخرجنا ربع هؤلاء لا يستطيعون، لو أخرجنا نصفهم وقلنا: مليار ونصف مليار واحد، ولو قلنا فقط: مليار واحد، نتصور حجم مجموع صدقة الفطر داخل مجتمعات المسلمين أنفسهم؛ فهي وإن بدت يسيرة، لكن هذا المعنى الجمعي مقصود: معنى الأمن الغذائي مقصود، معنى كفاية هذه الأمة فيما فيه دوام العيش أيضًا ملحوظ؛ فلا بد أن ننتبه.
لا يأتي أحد ويعترض – أنا أعرف كثيرًا من الأسئلة حول جواز إخراجها نقدًا – هذا القول موجود، هذه الرخصة موجودة، وغير صحيح أنها مختصة على الإمام أبي حنيفة وأتباعه؛ لا، لا؛ وُجِدَت منذ عهد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ يعني ذُكِر ذلك عن سيدنا عمر بن الخطاب، وعن ابنه عبد الله بن عمر، وعن عبد الله بن عباس، وعن ابن مسعود، وعن طائفة، وعن سيدنا معاذ بن جبل رضوان الله تعالى عليهم جميعًا، ونُقِلَت أيضًا عن مجموعة من التابعين، وما يكاد… نُسِبَت أيضًا إلى الإمام أحمد بن حنبل في رواية عنه – هذا ما يُفهَم من صنيع الإمام البخاري – طائفة من العلماء يقولون بجواز إخراجها نقدًا إذا كانت ستؤدي غرضًا أنفع للفقراء اشتدت إليهم حاجتهم.
لكن نحن نتحدث عن المجموع؛ يعني لا ينبغي أن يتجه الناس كلهم أيضًا إلى إخراج النقد، وحتى لو أُخِذ النقد، فإننا نتحدث – بالنظر إلى المجموع – عن ثروة هائلة تدور داخل مجتمعات المسلمين؛ هذا التدوير للأموال والسيولة النقدية فيه أيضًا منافع تعود عليهم هم بمزيد من القوة والعزة كما هو الشأن فيما يتعلق بالأمن الغذائي.