⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
هذه مما ينبغي أن يُتنَبَّه له أيضًا؛ فقد تقدم أنه ما من أمر من أمور الفرائض إلا وله نظائر من عموم النوافل والقُرُبات التي يتنافس فيها المتنافسون، والتي لها الأجر العظيم والثواب الجزيل عند الله تبارك وتعالى للعباد.
ولذلك فإن كانت صدقة الفطر عبادة مخصوصة، فإن أداء المسلم لها – مستحضِرًا للمعاني المتقدمة – سيدفعه حتمًا إلى أن يكون سخيَّ النفس، مبادرًا إلى سدِّ حاجة الفقراء والمساكين، مسابقًا غيره لهذا الباب، مسارعًا إليه بما يتيسر له، ألا يَحْقِر من المعروف ولو شيئًا يسيرًا.
أن يتفقد أحوال الناس في مجتمعه، أن يسعى إلى أن يكون معينًا لهم ولو بكلمة طيبة؛ فالكلمة الطيبة صدقة، ولو بكف الأذى عنهم، يستحضر معنى البذل والعطاء حتى في كف أذاه عن الغير؛ في كف الأذى: أذى النظر، وأذى اللسان، وأذى اليد، في كف ظلمه والتعدي على حقوق الآخرين؛ يكف ذلك كله، وينوي به أنه – مع كفِّه والتزامه بأمر الله تبارك وتعالى – أن ذلك من حقوق الناس عليه، أن ذلك مما يربي عليه نفسه.
فيعود عليه أيضًا بنشأةِ المجتمع المسلم: مجتمع بذل وعطاء.
نحن أحق بما وُصِف به سيدنا عمرو بن العاص الروم في رواية المتلمس القرشي – وهو من أحاديث الملاحم أو الفتن – قال: تقوم الساعة والروم أكثر الناس، فقال عمرو: انتبه لما تقول، يقول للمتلمس، قال: سمعت ذلك من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ فالحديث مرفوع؛ فقال عمرو – وهو الخبير بأحوال الأمم والشعوب وطبائعها – قال: إن كان كما قلت، فإن فيهم خِصالًا أربعًا: «إنهم أحلم الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقةً بعد فتنة، وأوشكهم كرَّةً بعد فَرَّة، وأحسنهم ليَتيمٍ ومسكينٍ وفقير».
نحن أولى بهذه الخصال؛ هذه الخَصْلة الرابعة التي لاحظها يلحظ كثير من الناس أنهم – إلى يومنا هذا – عندهم وجوه كثيرة من وجوه العناية بالفقراء والمشرَّدين، جمعيات كثيرة، ولعلها تنشط – وإن كانت شِيبَت بمقاصد سياسية – لكنها تنشط في العالم كله، مما قصَّر فيه المسلمون، قصَّروا كثيرًا إلا ما نَدَر؛ هم أصحاب الرسالة، هم الأَلْزَم أن يكونوا أمْيَقَ أن يكونوا أقرب إلى اليتيم والمسكين والفقير؛ فكيف إذا كان دينهم يعودهم على ذلك في هذه العبادة: فريضة الصيام، فريضة تُختم بصدقة الفطر، وتُبيَّن مقاديرها، ونجد فيها كل المعاني المتقدمة؛ حتى يعتاد المسلم على ذلك، ويعلم أن مما يُندَب له في دينه أن يلتفت إلى هذه المعاني، وأن يلتفت إلى حقوق الفقراء والمساكين، وأن يكون مُدرِكًا لاحتياجات مجتمعه، ساعيًا قدر استطاعته إلى البذل والعطاء؛ إن كان ذلك على المستوى الفردي، أو على مستوى المجتمعات تنظيمًا وترتيبًا؛ لا مناص لهم من ذلك؛ لأن هذه المجتمعات – مجتمعات المسلمين – مجتمعات تآخٍ وتعاطف وتراحم، لا يصح أن تبقى هذه الشعارات لا تُنقَل إلى الواقع، لا تُترجَم إلى الواقع.
ولذلك ففي صنوف البر والطاعات، وفي أنواع القُرُبات كفاية لأجل أن يجد المسلمون فيها ما يحققون به هذه المعاني الموجودة المودَعة في صدقة الفطر سائر العام.