⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
هو لعل السبب الذي دفع السائل إلى طرح هذا السؤال هو ما وجده في كثير من كتب التفسير مما شُحنت به مما لا صلة له ببيان مراد الله تبارك وتعالى من هذه الآية الكريمة؛ كإغراقهم في الحديث عن الفرق بين النفس والروح، والفرق بين الحياة، حياة اليقظة وحياة المنام، وبين النوم والوفاة، وبين النوم والموت، ثم بعد ذلك تحولوا إلى الحديث عن الأرواح وهل تتواصل هذه الأرواح فيما بينها، وقارنوا ذلك بما يحصل للنائم فيما يتعلق بعالم الأرواح. الحاصل أنهم حشدوا في تفسيرهم لهذه الآية الكريمة مسائل لا صلة لها بتبيين مراد الله تبارك وتعالى منها في هذا السياق الذي وردت فيه.
أما السؤال الذي تفضلتم به عما يعتمده الناظر في كتاب الله عز وجل حتى يتمكن من فهم الآية الكريمة، فإنه من المحمود أن يعمد إلى حقائق العلم وما أتاحه العصر من مكتشفات، مع حذر شديد في تحري الدقة والاقتصار على الحقائق لأجل الاستفادة في تبيين معنى الآية الكريمة.
أما المركوب الأول فهو اللغة التي نزل بها كتاب الله عز وجل، لكن يمكن لنا أن نأخذ المسألة إلى ما هو أبعد لنجد أن قواميس اللغة للأسف الشديد، أن معاجم اللغة العربية قد حُشدت أيضًا بمصطلحات أخرى، بمصطلحات من غير ما أريد لها؛ فقد أريد تعريف هذه المفردات وبيان معانيها اللغوية كما وردت في لغة العرب في عصور الاحتجاج، لكن قلَّ ما يَسْلَم معجم من هذه المعاجم، ولعل من أقلها، أي من أكثرها سلامة، معجم «العين» للخليل بن أحمد.
أما المعاجم التي جاءت من بعد فإنها لا تكاد تخلو من التأثر بأقوال المفسرين، مع أن المفسرين أرادوا أن يعمدوا إلى معاجم اللغة، إلى هذه القواميس، فإذا بأهل هذه القواميس يستشهدون بأقوال المفسرين، ولو كان استشهادهم مقتصرًا على ما ورد عن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم والتابعين ممن يُحتج بأقوالهم ومما هو من صميم استعمالهم للغة، لا من آرائهم التفسيرية، لكان ذلك حسنًا؛ لكنهم جاوزوا إلى نقل آراء تفسيرية في كتب اللغة.
ولذلك فإن طالب العلم ومن يشتغل بالتفسير عليه أن يتثبت كثيرًا مما يجده في معاجم اللغة من معاني المفردات، مع أن طائفة من كتب التفسير الأولى اعتنت أيضًا، وحاولت قدر المستطاع، أو حاولت جاهدَةً أن تحصر المعاني كما تقدم في المعاني اللغوية، وهذا نجده في «بيان المتشابه من كتاب الله عز وجل»، فيما يُسمى بيان المتشابه أو بيان الغريب. في الأعصر الأولى لم يكن الفارق بين الغريب من القرآن الكريم وبين النظائر والمتشابهات لم يكن متميزًا؛ فنجد أن طائفة من المفسرين – هذا استطراد فقط – أن طائفة من المفسرين الأوائل كالإمام زيد بن علي في «بيان غريب القرآن»، فإنه يتحدث عن المتشابهات والنظائر والغريب.
هارون بن يحيى – وهو من أوائل أيضًا من كتب في المتشابه، يذكر أنه تُوفي عند 170 للهجرة – كذلك يأتي بالمتشابه والنظائر والغريب، ويذكر المعاني على جهة الحقيقة والمعاني على جهة المجاز، فقد يذكر للمفردة الواحدة في بعض الأحيان ستة عشر وجهًا من المعاني الواردة في كتاب الله عز وجل.
الحاصل أن هذا استطراد، لكن يمكن لطالب العلم – بعد المقدمة التي ذكرتها عن معاجم اللغة – هذا لا ينفي إمكان الوصول إلى المعاني اللغوية التي تعين على فهم مراد الله عز وجل من كلامه في كتابه الكريم، من هذا التراث اللغوي التفسيري المتقدم.
والله تعالى أعلم.