مكتبة الفتاوى← الرجوع للرئيسية
✓ تم نسخ الرابط

التعويض عن الضرر المعنوي

هل الألم النفسي وإيذاء المشاعر وإهانة الكرامة يُعد مالًا متقوَّمًا يجوز أخذ تعويض مالي عنه؟

⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما بعد، فإن هذه المسألة تُعرَف بالتعويض المالي عن الضرر المعنوي، ويُسمّى الضرر المعنوي أحيانًا بالضرر الأدبي، ويُقصَد به ما أشرتم إليه في السؤال بكل دقّة: الأذى أو الضرر الذي يمكن أن يلحق بشخص ما في مشاعره وعواطفه وأحاسيسه، فلا علاقة لما يمكن أن يصيبه في بدنه أو في ماله بالحديث عن هذه القضيّة؛ لأن ما يصيب الإنسان في بدنه تتناوله أحكام الدّيات والأروش والجراحات، وما يصيب الإنسان في ماله من إتلاف أو عدوان تناولته أيضًا هذه الشريعة الحنيفيّة السمحة بأحكامها المتعلّقة بالتعويض عنه، وإنما الكلام فيما يمكن أن يلحق الإنسان من أذًى في نفسه، من أذًى معنوي في مشاعره كما تقدّم أو أحاسيسه أو كرامته أو عرضه، هذا هو تعريف الضرر المعنوي المقصود هنا أو الضرر الأدبي. والفقهاء الأوائل لم يتعرّضوا لهذه القضيّة، ولا يُقصَد من ذلك أنهم لم يتناولوها لخفائها عليهم، وإنما لم يَقُل منهم أحدٌ بالتعويض المالي عن الضرر المعنوي، إلا قولًا نُسب إلى صاحبي أبي حنيفة؛ نُسب مرّةً إلى الإمام محمد بن الحسن في الجراحات إذا التأمت ولم يبقَ لها أثر، فقال بالعِوَض عن الألم الذي أصابه، وأما أبو يوسف فإنه تحدّث عن العِوَض في مقابل الدواء والعلاج، ونُسب إليه أيضًا القول بأن العِوَض يكون عن الألم. أمّا غيرهم من أهل الفقه من مختلف المذاهب الإسلامية فلم يقولوا بالتعويض المالي عن الضرر المعنوي لنبيّن كالقذف والسباب والشتائم والنبز بالألقاب والإهانة، كل هذه تندرج في هذا النوع مما نحن بصدد الحديث عنه، هذا الذي يُسمّى هو الذي يطلب أهله التعويض عن هذا الضرر المعنوي الناشئ عن أعمال أو أقوال كالقذف أو السَّبّ والشَّتم أو الإهانة أو القدح في العرض أو السخرية أو الاستهزاء أو ما أشبهها من أقوال يمكن أن تُؤذي نفس هذا المكلّف. نعم، بعض الفقهاء المعاصرين، عددٌ قليلٌ منهم، كالشيخ علي الخفيف وبعض الفقهاء المعاصرين جنحوا –أي فقهاء الشريعة– جنحوا إلى جواز العِوَض المالي في مثل هذه الحالات عن الضرر المعنوي، لكن جماهير أهل العلم من فقهاء الشريعة لم يروا هذا الرأي، فعدّوه من باب أخذ المال على العرض، وهذا مما أجمع الفقهاء على عدم جوازه لما فيه من امتهان لكرامة هذا الإنسان، وهذا دليلٌ من أدلّة جمهور القائلين بمنع أخذ العِوَض المالي عن الضرر الأدبي أو المعنوي. وممّا يدلّ على رجحان القول بالمنع: أنه لا مانع من إلحاق عقوبة أو تعزير بمن صدر منه فعلٌ من مثل هذه الأفعال التي يمكن أن تُؤذي الإنسان في كرامته أو عرضه أو في مشاعره وأحاسيسه؛ فلا خلاف في جواز إمضاء عقوبات بدنيّة: أمّا الحدود إذا كانت الجريمة مما تشمله الحدود، كالقذف على سبيل المثال، فهناك حدود مُقرّة شرعًا، هناك حدٌّ شرعيٌّ وهو الجلد ثمانين، أو بالتعازير، والتعازير موكولةٌ إلى وليّ الأمر بما يتناسب مع الجُرم، وهي في الغالب تكون في بدن الإنسان بالحبس أو غيرها من العقوبات التي تُقرّر. كذلك جواز ردّ هذه الإساءة بمثلها –إن لم يكن فيها قذف– هو أيضًا حقٌّ مكفولٌ لمن وقعت عليه هذه الإساءة؛ فالله تبارك وتعالى يقول: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: 126]، ويقول: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: 40]، ويقول: ﴿فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194]، إذا جواز ردّ الإساءة إلا إذا كان فيها قذفٌ ممّا لا يجوز لمسلمٍ أن يقوله لغيره، أمّا أن يردّ ذلك عن نفسه أو أن يردّ الإساءة بمثلها ممّا هو مباح فلا حرج عليه في ذلك. الآن لنتبيّن لِمَ سلك جمهور أهل العلم مسلك المنع من أخذ العِوَض المالي على الضرر المعنوي أو الضرر الأدبي، وأنا أجمع بين الاسمين؛ لأن هناك أضرارًا معنويةً تتعلّق بالحقوق المعنوية المتقوّمة شرعًا، وهذه خارجة، كحقّ الابتكار والتأليف والاسم التجاري والعلامة التجارية والعنوان التجاري، هذه أصبحت حقوقًا متقوّمةً شرعًا وتُسمّى في بعض الأحيان بالحقوق المعنوية المتقوّمة شرعًا، فحتى لا يلتبس الحال أنا لا أتحدّث عنها، ولا السائل يسأل عن هذه، وإنما يسأل عمّا ذكرتموه في السؤال من الضرر، من الأذى الذي يصيب الإنسان في كرامته وعِرضه ومشاعره، هذا الذي نتحدّث عنه الآن. أظهر الأدلّة فيما يظهر عندي: أوّلًا: تعذّر إثبات حصول هذا الضرر أو الأذى؛ لأنّه أمرٌ خفيٌّ، ويتفاوت الناس فيه تفاوتًا لا حدّ له، فبين من يمكن أن تُخدش كرامته لأدنى كلمة، وبين من يحتمل الأذى ويصبر ولا يكترث لما يتلقّاه من أذًى لفظيٍّ من غيره ولو كان إهانةً أو كان فيه تنقّصٌ لكرامته أو كان فيه سبابٌ وشتم، فإنّه لا يتأثّر، ولا يمكن إثبات حصول الأثر، خصوصًا أن القائلين بجواز التعويض، أو بالتعويض المالي عن الضرر المعنوي الأدبي هذا، فإنهم لا يتحدّثون عن صدور الفعل المؤذي، وإنما يتحدّثون عن المضرور نفسه لما أصابه من أذًى، ولذلك تتفاوت التعويضات حتى بلغت حدّ السَّفه في بعض البلدان الغربيّة إلى الملايين، ملايين الدولارات، في حين أنه لا يمكن إثبات حصوله حقيقةً؛ كيف يُثبت؟ لا يمكن؛ لأنه أمرٌ خفيّ، فهذا هو الدليل الأوّل. الدليل الثاني: أنه لا يمكن أن ينضبط؛ فكلّ ما ثَبَت فيما يتعلّق بعِوَضٍ ماليٍّ اشترط فيه المماثلة، أمّا هذه، فكيف يمكن أن تُجرى عليها المماثلة لأنها غير منضبطة؟ حتى لو قيل بالتجاوز في مسألة الإثبات، والأصل في الدعاوى الإثبات، لكن لو تجاوزنا الأمر الأوّل فكيف بعد ذلك يمكن تقديرها لأنّها غير منضبطة، لا يمكن اطّرادها؛ فهناك من يمكن أن يتأذّى كثيرًا وأن يُورثه ذلك شيءٌ من العلل، هناك من لا يتأذّى، هناك من يتأذّى كثيرًا، هناك من يتأذّى دون ذلك؛ هذا أيضًا لا حدّ له ولا حصر؛ فكيف يُضبَط؟ وما الذي يُعوّل عليه في تقدير العِوَض حينئذ؟ لا يمكن ذلك. إذاً إثباته متعذّر، وضبطه متعذّر، وتقدير المماثلة لأجل العِوَض متعذّر أيضًا، لأنها كلّها مبنيةٌ على أمورٍ خفيّة. أمّا ما استندوا إليه من الآيات التي ذكرتها فيما مضى، فإنّها لا تدلّ على جواز أخذ العِوَض المالي، وإنما تدلّ على جواز ردّ هذه الإساءة بمثلها، كما تدلّ على أنه يمكن أن يُؤخَذ الواقع في مثل هذه الأفعال –أي الذي صدرت منه هذه الأفعال– أن يُؤاخَذ بعقوبة؛ إن كانت من جرائم الحدود فبالحدود، وإن كانت من جرائم ممّا هو دون ذلك فبالتعازير. وحديث «لا ضرر ولا ضرار» أو قاعدة «لا ضرر ولا ضرار» أيضًا لا تسري –مما احتجّ به– هو رفع الضرر، ولا إشكال في أن يُرفَع الضرر بالعقوبة الرادعة، أمّا الكلام فهو حول أخذ العِوَض المالي، وهذا هو الذي تقدّمت أدلّة المنع منه. كذلك ما نُسب إلى الأئمة، من مثل ما نُسب إلى الإمام محمد بن الحسن الشيباني، فإنّه في فعلٍ ماديٍّ في حقيقته، هو جراحةٌ أصابته ثم اندملت دون أن تترك أثرًا، وهذا ممّا ناقشه الفقهاء وقالوا بأنّ فيه الحُكومة، والمقصود بالحكومة: أن يحكم من يمكن أن يقرّر العِوَض، فهو مقيسٌ على الجراحات أصلًا، هو من باب الجراحات التي يمكن أن يكون لها أثر، فلا دخل له. يُضاف إلى ذلك تشديد أهل العلم، وما بُنيت عليه هذه الشريعة من مراعاة الأخلاق؛ فمن حمل الناس على الأخلاق الحسنة، ومن الأخلاق الحسنة التي يتفاوت فيها الناس وتتفاوت مراتبهم عند الله تبارك وتعالى فيها: احتمال الأذى، والصبر على ما يلاقيه هذا الإنسان من غيره، والحِلم، وكظم الغيظ، إلى حدّ أن ربّنا تبارك وتعالى لما ذكر صفات المتقين الذين أُعدّ لهم جنّةٌ عرضها السماوات والأرض، قال منها: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 134]، و﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، فهذه من مكارم الأخلاق التي قامت عليها الشريعة، وسار عليها المسلمون. ثم أضافوا ما تقدّمت الإشارة إليه من عدم جواز أخذ المال في مقابل العرض؛ ذلك من امتهان كرامة الإنسان. يُضاف إلى ذلك حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعِرضه»، فإذا احتُجّ بأنّ العرض قد ذُكر هنا، وهذا يشمل ما يمكن أن يُصيب الإنسان في عرضه من قذفٍ أو سبٍّ وشتمٍ واستهزاءٍ وسخرية، نعم هي مصونة، فيمكن أن تكون لها عقوبات وتعازير، أمّا العِوَض المالي فلأنّ مال الإنسان معصومٌ أيضًا، ومال الإنسان يتعلّق به غيره، أمّا جسده فخاصٌّ به، فالعقوبات التي تتعلّق بجسده لا يتعدّى ضررها إلى غيره، أمّا الأخذ من ماله فيمكن أن يتعدّى ضرر ذلك إلى أسرته وإلى ذويه وإلى غيرهم، فهذا فارقٌ كبير لا بد أن يُلتفت إليه. إذاً هذه هي خلاصةٌ مختصرةٌ في هذه المسألة، ويتبيّن أن القول الراجح –وهو قول جماهير أهل العلم من الفقهاء المتقدّمين، ومن أكثر من جماهير الفقهاء المعاصرين، يكاد يكون كلّ الفقهاء المتقدّمين، وجماهير الفقهاء المعاصرين– لا يرون جواز أخذ العِوَض المالي عن الضرر الأدبي، وللأدلّة التي تقدّمت الإشارة إليها أو تقدّم بيانها، ولما ردّوا به على أدلّة القائلين بجواز ذلك. والله تعالى أعلم.
👤كهلان بن نبهان الخروصي
📅 ٢٨‏/٣‏/٢٠٢٤👁 6 مشاهدة
🎬

#فتاوى_متنوعة - د. #كهلان_بن_نبهان_الخروصي - 17 رمضان 1445 هـ

مسائل متنوعةمسائل متنوعة في المعاملات

✦ فتاوى مشابهة

المنفعة المعنوية والتعويض

3 👁

هل في المذهب الإباضي قول يعتبر المنفعة المعنوية مالاً متقوماً فتُضمَّن عند الإتلاف، وما قول المذهب في دفع الضرر المعنوي بالتعويض المالي؟

👤ماجد بن محمد الكندي
٢٩‏/٣‏/٢٠٢٤

تعويض الضرر المعنوي

4 👁

ما حكم التعويضات عن الضرر المعنوي؟

👤ماجد بن محمد الكندي
١٧‏/٨‏/٢٠٢٥

التأمين الصحي والمبلغ المعطى

5 👁

ما حكم من يؤمّن نفسه تأميناً صحياً ويُعطى مبلغاً للعلاج، وهل هذا جائز؟

👤ماجد بن محمد الكندي
٢٥‏/٣‏/٢٠٢٣

تعويض عن الضرر الأسري

2 👁

ما حكم التعويض عن الضرر المادي أو المعنوي في العدول عن الخطبة والطلاق التعسفي والخلع والتفريق القضائي؟

👤ماجد بن محمد الكندي
٢٧‏/٤‏/٢٠٢٢

التعويض عن العدول عن الخطبة

2 👁

ما حكم التعويض عن الضرر المادي أو المعنوي الناتج عن العدول عن الخطبة، وكذلك عن الطلاق التعسفي والخلع والتفريق القضائي؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢٠‏/٤‏/٢٠٢٢

التوبة من الظلم المعنوي

8 👁

كيف تكون التوبة من الحقوق المعنوية مثل تأخير الترقية أو حرمان الرزق المستحق أو إفساد الجوانب الاجتماعية للناس؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
١٨‏/٥‏/٢٠٢٦