⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
نعم، الخشية سؤال، ومن المقصود بالعلماء الذين هم أكثر الناس خشية لله عز وجل؟
الخشية هي خوف مع علم وتعظيم للمخْشى، فهي ليست مرادفة للخوف، ولا هي بمرادفة للرهبة، وإنما هي اضطراب في النفس مشوب بمعرفة للسبب، مع تعظيم وإجلال للأمر الذي أحدث ذلك الاضطراب، نعم. ولذلك فإن بعض علماء اللغة يقولون: إن الخشية لا بد أن تكون لسبب المكروه لا للمكروه نفسه؛ المقصود هو أنه إذا كان هناك أمر مخوف، فالذي يخاف يخاف من ذات الأمر، والذي يخشى يخشى من المصدر، من مصدر هذا الأمر المكروه، نعم، وهذا معنى حسن.
وبتتبع ما ورد في كتاب الله عز وجل في المواضع التي وردت فيها الخشية والخوف نجد أن هذا المعنى مقبول؛ فقد وصف الله تبارك وتعالى عباده المؤمنين، قال: ﴿يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾، ﴿يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ هو المصدر، ﴿وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ سوء الحساب هو المكروه، فهذا معنى... هذا استطراد الآن.
إذا هذه هي الخشية من حيث معناها واستعمالها في كتاب الله عز وجل.
نعم، من هم المقصودون، هل علماء الدين أو من سواهم من أهل العلم، فهم أكثر خشية لله تبارك وتعالى؟
دار حديث بين طائفة من أهل العلم في هذه المسألة، ولا حاجة إلى هذا الخلاف؛ المقصود أن ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ هم العلماء بالله تبارك وتعالى، لكن علمهم بالله عز وجل تختلف سبله، نعم، فمنهم من يتعرف على ربه جل وعلا فيعظم ويخشاه ويجله ويهابه؛ لأنه نظر في آيات الكون، فعلم أن وراءها يد قدرة مطلقة، وأنها قدرة كاملة لا تليق إلا بالخالق جل وعلا، فعظم مولاه وخالقه فخشي، نعم.
ومنهم من نظر في سنن الله تبارك وتعالى في الحياة، فعلم أن وراءها مكونا أودع فيها أسبابا ونواميس، فعظم هذا الخالق الإله المدبر لكل ما في هذا الكون من أحداث وسير، نعم.
ومنهم من نظر في آياته التي تُتلى في كتاب الله عز وجل، فوصل بذلك إلى تعظيم الله عز وجل، إلى تعظيم الله تبارك وتعالى وإجلاله وتسبيحه وتنزيهه وتمجيده، فكان من العلماء الذين هم أشد الناس خشية له تبارك وتعالى.
وهذه الأصناف الثلاثة التي ذكرت أنها سبل التعرف على الله عز وجل، سبل العلم بالله تعالى التي يمكن أن تورث مزيد خشية له جل وعلا، كل هذه السبل الثلاث وردت في سورة فاطر التي فيها هذه الآية الكريمة؛ فالله تبارك وتعالى تحدث في سورة فاطر عن بعض الآيات الكونية، ومنها هذا السياق الذي بين فيه اختلاف خلقه تبارك وتعالى في الجبال، وفي الأنعام والدواب، وفيها –أي في سورة فاطر– ذكر لسنن الله تبارك وتعالى في الخلق، وفيها آيات تُتلى، وإقامة حجج بآيات وأحكام، فكل ذلك مقصود في فهم معنى الآية الكريمة.
وبهذا يسهل الجمع بين المذاهب الشتى التي ذهب إليها أهل التفسير فيما يتعلق بالأكثر خشية من أهل العلم المقصودين في هذه الآية الكريمة؛ فالمقصود إذن هم العلماء بالله تبارك وتعالى بعظيم قدرته المطلقة الكاملة، وبعلمه جل وعلا، وبتدبيره لخلقه، وبنواميسه في هذه الحياة، وبما أودع في هذه الحياة من افتقار العباد إليه، واحتياجهم إلى وحيه، واحتياجهم إلى نعمه وآلائه وفضله، وهو صلب ما جاءت به سورة فاطر، نعم، ومن عجيب خلقه في هذا الكون المنظور من الآيات الكونية التي يرونها، أو من الآيات التي يخبرهم عنها ربهم تبارك وتعالى مما كشفه لهم من عالم الغيب؛ فقد كشف لهم خلق الملائكة في سورة فاطر، وخلق السماوات والأرض، وكشف لهم بعض المغيب عنهم مما يُتلى عليهم، فكل ذلك يوصل إلى العلم بالله تبارك وتعالى، فيورث قلوب هؤلاء العلماء تعظيما وإجلالا ومهابة لله تبارك وتعالى وخشية منه.
والله تعالى أعلم.