⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما كيف تاب فلا إشكال فيه، فإنه من بيت أسرة مسلمة؛ أمه كانت مسلمة، وأخوه هارون كذلك، وأخته، فهو في أصل بيته، وقد ربته أمه، فلا إشكال في… ثم إنه اصطفاء من الله تبارك وتعالى وإن كان لم يوح إليه بعد، لأن الله عز وجل قال قبل هذه الحادثة: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾، فقد وصفه الله تبارك وتعالى بأنه حينما بلغ أشده واكتملت قواه العقلية والبدنية فإن الله تبارك وتعالى أنعم عليه بما آتاه، قال: ﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾.
ومع اختلاف المفسرين في معنى الحكم إلى ما يقرب من أربعة أقوال: قيل النبوة، وقيل الحكمة، وقيل الفقه، وقيل القوة، ولكن لسنا بحاجة إلى تكلف؛ فإن الله عز وجل حينما قال: ﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾، الحكم هو ما يُحكم به من صواب ومن خير، وما يتحلى به من مراشد يتبين بها الصواب من الخطأ، والخير من الشر، والصلاح من الفساد، ويرشد الناس إليه ويدعو الناس إليه، فيتمثل في نفسه ويدعو إليه غيره.
ولذلك قال الزمخشري بأنه: أي آتاه سيرة الحكماء العالمين، وهذا قول حسن يقرب إلينا المعنى: آتاه علمه، ألهمه سيرة الحكماء، سيرة الحاكمين والحكماء العالمين.
فإذا معرفته للتوبة، وأنه حينما وكز القبطي فقضى عليه أنه وقع في خطأ عن غير قصد، وأن ذلك يستلزم منه أن يستغفر ربه، فإن هذا لا إشكال فيه للتنشئة التي نشأ عليها، واصطفاء الله تبارك وتعالى له كما تقدم، وإن كان لم يوح إليه، وإنما دار خلاف المفسرين في ما ورد في سورة القصص في قوله تبارك وتعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ ﴿فَغَفَرَ لَهُ﴾ ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾، قال: ﴿رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾.
نعم، هذه الجملة: ﴿فَاغْفِرْ لِي﴾ ﴿فَغَفَرَ لَهُ﴾، فهل علم موسى أن الله تبارك وتعالى قد تاب عليه وغفر له ذنبه؟ اختلف المفسرون إلى قولين؛ منهم من يقول بأنه علم ذلك بإلهام من الله تبارك وتعالى، علم أن الله عز وجل قد غفر له، ومنهم من استشكل، حتى الواحدي في «البسيط»، وهو أوسع تفاسيره الثلاثة، قال: ولا أعرف كيف، ولا أدري كيف عرف موسى بأن الله قد غفر له.
لكن بعض المفسرين، ومنهم الطاهر ابن عاشور، يرى بأن هذه الجملة اعتراضية فُصلت بين قول موسى عليه السلام؛ فالأصل في قوله: قال: رب اغفر لي بما أنعمت علي فلن أكون ظهيراً للمجرمين، توسطت جملة: ﴿فَغَفَرَ لَهُ﴾ ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾، هذا من عند الله تبارك وتعالى إخبار لإعلاء منزلة موسى وبيان مكانته، ليتناسب مع ما تقدم من أن الله تبارك وتعالى آتاه حُكماً وعلماً، فلعظيم منزلته توسطت هذه الجملة، كما يقال: جملة معترضة أو جملة اعتراضية، ليست هي من ترتيب الحدث والقول، وهذا القول مقنع، فهذا يرفع الإشكال فيما يمكن أن يتبادر إلى الذهن من تعرف موسى عليه السلام لمغفرة الله تبارك وتعالى له وهو لم يُوحَ إليه بعد، وبهذا يزول الإشكال، والله تعالى أعلم.