⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
فحسبنا ما أشارت إليه هذه الآية الكريمة، وما دلت عليه من أن هذا الذي انتدب نفسه ليحضر عرش ملكة سبأ إلى سليمان عليه السلام قبل أن يرتد إليه طرفه، وصفه ربنا تبارك وتعالى بقوله: ﴿قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ﴾، فهو شخص آتاه الله تبارك وتعالى علماً من الكتاب.
الظاهر من السياق أنه ليس من الجن؛ لأن الآية قبلها ورد فيها: ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الْجِنِّ﴾، فدل على أن هذا ليس من الجن، أو نقول: السياق يشير إلى أن الذي انتدب نفسه لإحضار عرش ملكة سبأ بأسرع مما تكفّل به العفريت من الجن هو ليس من الجن.
هل هو سليمان؟ هذا قول: هل هو سليمان نفسه؟ هذا قول بعض المفسرين، لكنه أيضاً بعيد؛ لأن سليمان عليه السلام هو الذي سألهم: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾، والحديث بعد هذا السياق أيضاً يرجع إلى سليمان عليه السلام.
هل هو أحد وزرائه؟ وقد ذكر المفسرون بعض الأسماء، لكن أسماء هؤلاء الوزراء لا دليل عليها لا من كتاب ولا من سنة صحيحة ثابتة، فلا حاجة إلى الاشتغال باسم هذا الشخص الذي انتدب نفسه، وإنما غاية ما يقال: بأنه أوتي علماً من الكتاب.
هل الكتاب هو مذكور عهديًّا ينصرف إلى ما كان عند سليمان عليه السلام من التوراة وصحف موسى، أو إلى جنس الكتاب؟ وكلا المعنيين مقبول، فالحاصل أنه أوتي علماً من الكتاب.
ما نوع هذا العلم؟ هل هو كما قال بعضهم: اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، أو كما أطلق البعض وقال: إن السياق سياق مقارنة بين من يأتي به بسرعة، من يأتي بالعرش بسرعة، وهو العفريت من الجن، ومن يأتي به بأسرع مما تكفّل به العفريت من الجن. العفريت من الجن قال: ﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾، وهذا وُصف بأنه عنده علم من الكتاب، فالمقارنة هنا بين القوة والشدة في جانب العفريت، وبين العلم والحكمة في جانب هذا الشخص.
وحسبنا هذا المعنى، فهذا واضح أنه الأقرب. قيل: بأنه ملك من الملائكة… أقوال، لكن الوصف القرآني يشي بأن المقصود أنه رجل من أتباع سليمان عليه السلام، فتح الله عز وجل عليه من العلم والحكمة ما يمكنه من الإتيان بعرش ملكة سبأ إلى سليمان قبل أن يرتد إليه طرفه.
هل في هذا ما يدل على تفضيل العلم على القوة والشدة؟ نعم، هذا واضح جلي، وهو من أعظم ما يؤخذ من هذه القصة.
هل يمكن أن يتوصل العلم في يوم من الأيام إلى مثل هذا الفتح؟ كل شيء بيد الله تبارك وتعالى، أما كيفية ذلك فالله أعلم، لا يمكن أن نخوض في الكيفية: هل هي سرعة نقل المادة، أو هو تحويل من المادة إلى صورة من صور الطاقة ثم بعد ذلك من الطاقة إلى المادة مرة أخرى؟ هذا باب آخر لا يمكن أن يُخاض فيه إذ لا دليل عليه.
وإنما يقال: بأن ترقي الإنسان في درجات العلم الموصول بالله تبارك وتعالى، وبوحد الله عز وجل، يمكن أن يتيح له مما يكشف به أسرار هذا الكون، ومما يحل به ألغازَه، ويكتشف به ما كان معدوداً من الخوارق، فهذا القدر يُفهم من الآية الكريمة.
والله تعالى أعلم.