⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
وصف الله تبارك وتعالى خمسةً من أنبيائه ورسله الكرام صلوات الله وسلامه عليهم بأنه آتاهم حُكمًا وعلمًا؛ وصف بذلك يوسف عليه السلام حينما قال: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [يوسف: 22]، ووصف موسى عليه السلام بقوله: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [القصص: 14]، ووصف به داود وسليمان...
أولًا هم يقولون بأن الحكم هو بمعنى الحكمة، وبعضهم صرَّح أن هذه من المترادفات، وهذا مقبول لغة، لكن كثيرًا منهم المقصود أو الحكم المقصود إنما يُراد بها النبوة، وقال بهذا القول طائفة من المتقدمين من المفسِّرين ومن المتأخرين، ففسَّروا الحكم بالحكمة التي هي النبوة، والعلم فسَّروه بالعلم بالشريعة التي أُنزِلَت عليه.
لكن في نفسي أن تفسير الحكمة أو الحكم بالنبوة غيرُ دقيق، لعدة أسباب: أولًا وصف الله تبارك وتعالى بعض هؤلاء الأنبياء الكرام أو الرسل عليهم الصلاة والسلام بإيتائهم الحكمة قبل إيتائهم النبوة؛ ففي قصة موسى عليه السلام كان إيتاؤه النبوة حينما عاد من مَدْيَن، والتكلُّف في القول بأن نسق الآيات في سورة القصص فيه تقديم وتأخير بعيد، وكذا الحال بالنسبة ليوسف عليه السلام.
ثانيًا لأننا نجد في القرآن الكريم اقتران الحكم بالنبوة أصلًا؛ ففي سورة الأنعام: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ [الأنعام: 89]، وورد هذا أيضًا في موضع آخر، أن الله تبارك وتعالى وصفهم بإيتاء الكتاب والحكم والنبوة، مما يعني أن الأصل في التعاطف التغيُّر، الأصل فيه –لا سيما في مثل هذه السياقات– اختلاف المعطوف عن المعطوف عليه.
لكن الإمام الرازي له رأي حسن، ويقول به أيضًا غيره من المفسرين، بأن الحكمة يُراد بها الحكمة العملية التطبيقية، والعلم الحكمة العلمية النظرية؛ فمن الحكمة –من تعريفها– وضع الشيء في موضعه اللائق، فهي أقرب إلى حسن التدبير وحسن السياسة، والتمييز بين الخطأ والصواب، والحق والهدى، وكيفية تجنُّب ذلك، فهي مرتبطة بجوانب عملية تطبيقية.
أما العلم فهو الجانب النظري، ما يُؤتَى إيَّاه هذا النور الذي يُؤتَى إيَّاه، هذا الذي يهبه الله تبارك وتعالى لبعض عباده، وفي ذروتهم أنبياؤه ورسله الكرام عليهم الصلاة والسلام، يتعلق بالجانب العلمي النظري.
ولذلك في واقعنا قد تصف إنسانًا بأنه عالم، لكن لا يلزم منه أن يكون حكيمًا؛ فقد لا يُحسن التدبير، ولا يُحسن السياسة لا في بيته ولا مع الناس ولا في شؤون حياته، ولا إن أُعطي مسؤولية أو كُلِّف بأمر من الأمور، مع أنه عالم، لا ينقصه الجانب النظري من العلم، هذا هو معنى العلم، بينما تجد في المقابل أن جاهلًا –بمنظور علوم الناس ومعارفهم– لكنه حكيم، يملك قدرًا من الحكمة في تدبير الأمور، في سياسته لها، في صلته بالناس ومعاملته لهم؛ إذًا الحكمة غير العلم، وهي غير النبوة لما تقدَّم، وهذا هو المعنى الذي تنصرف إليه.
أمَّا لماذا قُدِّمَت، فمرَّة أخرى نكرِّر أن الأصل في العطف بالواو أن التقديم والتأخير لا يدلان على مزيَّة للمتقدم ولا منقصة للمتأخر؛ نجد أنه يمكن أن يتقدَّم ما هو أقل شأنًا، ويتأخر الأعلى شأنًا، كما نجد العكس. لكن أحيانًا تظهر بعض الحِكَم في التقديم والتأخير، والذي يظهر هنا أن تقديم الحكمة إنما هو من باب إعلاء شأنها، وأن الذي أُوتِي إيَّاه هؤلاء الأنبياء الكرام عليهم الصلاة والسلام هو ليس القدر المعهود عند عموم الناس، وإنما ما هو أعلى قدرًا وأكمل بالنظر إلى أحوال أممهم وأقوامهم التي بُعِثوا فيها، وأنهم بذلك تبوَّؤوا المنزلة التي أهلتهم فيما بعد أيضًا للنبوة، والله تعالى أعلم.