⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
في قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ [النساء: 32]، للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن، واسألوا الله من فضله، إن الله كان بكل شيء عليمًا، المقصود بالتمني عند أكثر المفسرين هو تمني ذات النعمة التي يكون الله تبارك وتعالى قد أنعم بها على أحد من خلقه، لا أن يتمنى مثلها، وإنما أن يتمنى ذات النعمة، فصرفوا معنى التمني هنا إلى الحسد المذموم شرعًا.
ومع ذلك هناك من وسَّع حتى على مفهوم التمني، التفاتًا إلى ما ورد في مناسبات النزول من أحاديث رويت عن طائفة من أمهات المؤمنين ومن الصحابيات من نساء المؤمنين رضوان الله تعالى عليهن، لما ذُكِرَ شأن الرجال والجهاد وما يحصلون عليه من الأجور في الجهاد، وما ورد أيضًا مما تكلَّم به بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما رأوا الحسنات التي سيقت إليهم من وراء دعوتهم إلى الجهاد والقتال في سبيل الله تبارك وتعالى، ثم ما جُعل لهم من أن حظ الذكر بأن للذكر مثل حظ الأنثيين، فإنهم طمعوا في أن يكون لهم أيضًا من الأجر والثواب في الآخرة ضعف ما يكون للنساء، فنزلت الآية الكريمة.
قلتُ: تلك كانت مناسبات نزول تعين على فهم المقصود الذي اتجه إليه بعض المفسرين من إطلاق القول: إن المقصود أن الله تبارك وتعالى قد خصَّ الذكور والإناث بخصائص ومزايا، وناط بهم مسؤوليات وأمانات، وفضل الله تبارك وتعالى عليهم جميعًا واسع، فلا ينبغي لأي منهم أن يتمنى المنزلة والخصائص التي أعطاها الله تبارك وتعالى وأولاها للآخر، ويترك ما هو عليه.
رغم أن المناسبات هي في تمني النساء أن يحزن الأجور المدخرة للرجال من وراء كتابة الجهاد عليهم والنفير، وما كُلِّف به الرجال من مسؤوليات دينية، ولم يُذكر أن الرجال تمنوا ما يتصل بالنساء من القيام بشأن البيوت ورعايتها، ومن التربية، ومن عدم شهود الجمعة والجماعات لزومًا.
لكن المفهوم من الآية الكريمة هو –لأنها وردت بعد قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: 36]– فدلَّ على أن المقصود أن يرضى كلٌّ بما كتبه الله تبارك وتعالى له، وأن يسعى إلى امتثال أمر الله عز وجل بنفسٍ راضيةٍ مطمئنة طامعةٍ في الثواب الذي أُعدَّ لها، راجيةٍ للخير، وألا تُنزل نفسها منزلة الآخر فتُدخل نفسها في مشاقِّ ومخاطر أو في مظانِّ لجلب الضر والأذى وفوات الأجر والثواب.
هذا هو معنى الآية الكريمة، وأينما، كيفما قلَّبتَ هذه المعاني سنجد أنها تتفق في الدلالة على أن المقصود الرضا بما كلَّف الله تبارك وتعالى به عباده، والشكر على النعم التي أولاهم إياها، وأداء حقوق هذه النعم، وتمني الخير للنفس وللغير، دون أن يتمنى النعمة –ذات النعمة– التي أنعم بها على أحدٍ من الخلق، أن يتمنى مثلها لا إشكال، لا حرج عليه في ذلك، وأن يرجو له الخير، وأن يرجو لنفسه أن ينال مثل ما أصاب غيره، فهذا أيضًا مما لا حرج فيه.
والله تعالى أعلم.
هذا هو معنى التفريق بين الحسد والغبطة، هذا هو معنى التفريق بين الحسد.
ومع ذلك فالمعنى لا يقف عند الحسد، هذا القدر الذي حذر منه أهل العلم مدلولٌ عليه لا شك في الآية الكريمة، لكن معنى الآية أوسع؛ فمعنى الآية يمتد ليشمل الرضا بما قسم الله تبارك وتعالى من أماناتٍ وتكاليف شرعية ومسؤوليات، وما رتَّب عليها من آثار، وعدم تحقير الآخر لأن مسؤولياته أو تكاليفه الشرعية تختلف أو قد تبدو أقل، فإن هذا من تدبير الله تبارك وتعالى المولى المدبر الحكيم.
والله تعالى أعلم.
يحدث أحيانًا –كما ورد في السيرة– أن المرأة يعني تسأل عن النصيب الذي سينالها من الأنصبة التي تنال الرجل: يخرجون معك إلى الجهاد، يحدون معك، ونحن قواعد بيوت، هذا من المناسبات التي أشرتُ إليها، ومع ذلك فقد خصَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم النساء بعظيم الأجور، وبدخول الجنان في طاعة الزوج وحسن التبعُّل، وأداء ما كُلِّفْنَ به، فلم نجد أن الرجال يتمنون أن يزاحموا النساء في هذه الأجور أيضًا، رغم ما يظهر من أنها مقدورٌ عليها يسيرةٌ في مقابل ما يظهر أيضًا أن الذي كُلِّف به الرجال فيه من المشقة ما لا يخفى، فمعنى الآية الكريمة يصبح بهذا واضحًا.
والله تعالى أعلم.