⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما بعد، فإن الأعمال التي ينبغي للمعتكف أن يشتغل بها هي أعمال الذكر والعبادة وتلاوة القرآن والعلم النافع، فالمقصود من الاعتكاف أن يخلو المرء بنفسه مع ربه جل وعلا ذكرًا وتدبرًا وخشوعًا، وإتيانًا بما يتيسر له من النوافل والقربات التي يمكن أن يؤتى بها في بيوت الله تبارك وتعالى.
فالمعتكف يفرغ نفسه مما يمكن أن يشغله عن ذكر الله تبارك وتعالى مما يتصل بالحياة الدنيا خارج المسجد من الأعمال والأشغال، ومن باب أولى ما يتعلق بعموم الطيبات والمباحات، لأنه حبس نفسه في بيت الله تبارك وتعالى، ومكث فيه ملتزمًا بما يخلو فيه المرء مع ربه تبارك وتعالى من الذكر والقرآن والدعاء والصلاة.
فليس الأصل في الاعتكاف الإتيان بأعمال بصفة جماعية إلا ما كان يؤتى به جماعة؛ فلا حاجة إلى التأكيد على أهمية الجماعة في الفروض، وإنما يقصد بذلك قيام رمضان، فإن قيام رمضان دلت السنة على أنه يؤتى به جماعة.
أما ما سوى ذلك، فيمكن أن يكون في حلقة قرآن أو في حلقة علم لتجديد الهمة، لكسر السآمة والملل من النفوس، ثم يرجع بعد ذلك المعتكف إلى ذكره وتلاوته وإلى أعمال نفسه.
فالذي يُرخَّص فيه –مع الأعمال التي يؤتى بها عادة جماعة في المسجد من الفرائض والنوافل كالقيام– يُرخَّص في حلقات العلم وفي حلقات القرآن الكريم، على ألا تكون هي الشغل الشاغل حتى لا تخرج عن مقصودها إلى تبادل الأحاديث والخروج عما يكون المعتكف بصدده.
ثم يقول آخر الجواب: ورغائبهم تختلف، فواحد بحاجة إلى أن يتوب إلى الله تبارك وتعالى وأن يكثر من الاستغفار وأن يأسف على ما فات، وأن يطوي صفحات سوداء فيما بينه وبين الله تبارك وتعالى، وثانٍ يريد أن يكثر من تلاوة القرآن، وثالث يريد أن يكثر من الصلوات لأنه لا يجد مثل هذه الفرصة أيضًا، ونفسه تستسهل أن تأتي بالصلوات لما فيها من قرآن ومن تسبيح وإعظام لله تبارك وتعالى، وما يمكن أن يأتي به من دعاء في المواضع التي يصح فيها الدعاء أن يدعو في سجوده، أن يدعو بعد صلاته.
فرغائبهم تتفاوت، فلا ينبغي أن يحملوا أنفسهم على برنامج واحد لجماعة المعتكفين في المسجد، وإنما الأصل في الاعتكاف هو أن يلزم المرء نفسه في بيت الله تبارك وتعالى ذاكرًا، داعيًا، تاليًا، مصليًا، مؤديًا ما يمكن أن يجدِّد له همَّ قلبه، وأن يزكي نفسه، وأن يسمو باستقامته، وأن يمتن علاقته بالله تبارك وتعالى.
لا مانع –كما تقدم– من أن يشترك مع إخوانه المعتكفين لأجل كسر السآمة أو إبعاد السآمة والملل وتجديد الهمة والنشاط في حلقة علم أو حلقة قرآن أو لحضور محاضرة في المسجد، هذا مما لا مانع منه، لكن أن يلجؤوا أو يعمدوا إلى أن يكون فعلهم جماعيًّا دائمًا فهذا قد يسبب تفويتًا لمقاصد الاعتكاف، وقد يسبب أيضًا تشويشًا على غير المعتكفين ممن يأتون المسجد.
هذا والله تعالى أعلم.