⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أولًا: بداية السياق القرآني في سورة التوبة في قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ * رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة: 86-87]. لنقارن بين الموضعين؛ لأن الموضع الثاني قال ربنا تبارك وتعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: 93].
في الموضع الأول يقول ربنا تبارك وتعالى: ﴿وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ﴾؛ فابتدأ السياق بالحديث عن إنزال سورة، هذه السورة فيها: أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله. هذه تحتاج إلى تدبُّر، تحتاج إلى تفهُّم؛ فناسبها الفقه، ولذلك قال: ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾؛ فلكون ما أُنزل عليهم في كتاب الله عز وجل وعلى لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله، يحتاج إلى تدبُّر وتفهُّم ومعالجة فكرية ذهنية، ناسب هذا المقام: ﴿فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾.
الآن فرغوا من ذلك، انتهت هذه المرحلة، ولكنهم –في غوايتهم وضلالهم– عطَّلوا ملكاتهم، فلم يفقهوا، ولم يُنزِلوا أنفسهم منزلة من يفقه ويتدبَّر فيما أنزله الله تبارك وتعالى عليهم، فصاروا لا يعلمون؛ ولذلك قال في الموضع الثاني: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾؛ نفى عنهم العلم؛ لأن ما كان ينبغي أن يتحصَّلوه بالتفقُّه والتفهُّم والإدراك انتفى عنهم، فكان الحاصل أنه انتفى عنهم العلم، فعُبِّر في هذا الموضع: ﴿فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
وهنا لطيفة أخرى أيضًا: أن الموضع الأول كان بصيغة البناء للمجهول: ﴿وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾، بينما الموضع الثاني كان بالبناء للمعلوم: ﴿وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾؛ أما الموضع الأول فلكي يناسب صدر السياق: ﴿وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾، فهو أيضًا بالبناء للمجهول، فناسب هذا الموضع أن يكون الحال هنا بالبناء للمجهول.
ثم ذكر الله تبارك وتعالى بين الحالتين حالة مَن رُخِّص لهم من الباكين الذين لا يجدون ما يحملون عليه أنفسهم، وممن أذن لهم الله تبارك وتعالى بعدم التخلُّف لأعذار عندهم… فكان ما جاء: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ﴾ –يعني الصيغة فيه ليس فيها صيغة بناء للمجهول– ولأن فيه مزيدًا من التأكيد على عظيم ما أتَوه، فإنه أتى بالتركيب مبنيًّا للمعلوم، فقال: ﴿وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
والله تعالى أعلم.