⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
نعم، الاستئذان المذكور في سورة التوبة هو استئذان عن النفير العام؛ لأن بداية الآيات: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾، فهو نفير عام دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المؤمنين إلى النَّفْرَة في الأُسْرَة، وطلب منهم أن يجاهدوا وأن يخرجوا معه لملاقاة العدو، فهذا إعلان للنفير العام.
ولذلك كان الذين يستأذنون متخلفين عن هذا النفير العام الذي أعلنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فكانوا من المنافقين؛ لأنهم تخلَّفوا عن الاستجابة لداعي النفير العام بالجهاد في سبيل الله الذي دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليه الصلاة والسلام.
أما ما ورد في سورة النور فإنه يتعلق بأصل التشريع، وأصل التشريع هو جواز الاستئذان؛ الاستئذان هو طلب الإذن، والإذن يُقصد به العِلْم بإجازة الشيء والرخصة فيه، هذا هو معنى الاستئذان: هو طلب العلم بإجازة الشيء وبالرخصة فيه.
آية النور تتحدث، يعني الآية تقول: إذا كانوا على أمر جامع معه، فهم مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم رُخِّص لهم أن يستأذنوا لبعض شأنهم؛ فهذا استئذان حينما يكونون مع رسول قد لبَّوا دعوة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والآية، السياق لا يتحدث عن حالة النفير العام، ولذلك لا يجري عليه ما يجري على أن الاستئذان كان علامة فارقة بين المؤمنين والمنافقين.
وإنما آية سورة النور تتحدث عن آداب الاستئذان أصلًا حتى داخل البيوت، حتى من الأطفال، ثم في الوضع العام، ومنه أن يكون المؤمنون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر جامع معه، ولذلك قالوا: أن يكون الأمر الجامع من نحو العيدين والجمعة، وبعضهم وسَّع وقال: أن يكون على أمر فيه مصلحة ظاهرة للمؤمنين أو لدَرْء خطر داهم، فيستجيبون فيكونون مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم إنهم يستأذنون كما قالت الآية الكريمة لبعض شأنهم.
فإذاً: «لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ» إذا يستأذنون لبعض شأنهم، ما الذي يُفهم منه؟ يفهم منه أن عندهم ما يدعوهم إلى الخروج بعد أن استجابوا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فيقضون مآربهم، ثم يعودون؛ هذا لما أقول: أنا أستأذن لبعض شأني، فهذا يعني: ليقضي شأني، ثم لأعود بعد ذلك إلى الأمر الجامع الذي أكون فيه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
هؤلاء هم الذين أُذن لهم، هؤلاء هم الذين خيَّر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يأذن لهم، وجعل فعلهم هذا علامة على الإيمان، وجميل الخُلُق، وحسن السجايا.
وقول من قال – ولعل هذا هو السبب في السؤال إن لم تخنِّ الذاكرة – إن هناك قولًا منسوبًا لابن عباس رضي الله عنهما أن آية التوبة منسوخة بآية النور، وجَرَى على هذا عدد من المفسرين حتى من كبار المفسرين، لكن هذا لا يصح:
أولًا: لا حاجة إلى ادعاء النسخ؛ لأن الأوضاع مختلفة: هناك نفير عام ودعوة، وهؤلاء يتخلفون عن، يعني يطلبون التخلُّف أصلًا، يتركون الاستجابة، أما هؤلاء فقد استجابوا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وليس هناك يعني نفير عام.
وثانيًا: وسورة النور هي أسبق نزولًا من سورة براءة، من سورة التوبة، فلا يجري عليها هذا النسخ يعني فات هؤلاء، ولهذا بعض المفسرين ارتاب من نسبة هذا القول إلى ابن عباس، ورأى أن النسبة غير صحيحة إليه.
لعل هذا الذي دعا السائل لطرح هذا السؤال، لكن المعنى – تلخيصًا – هو ما تقدَّم.
والله تعالى أعلم.