⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
في هذه المسألة كلام كثير للمفسرين، وسأحاول تلخيصه قدر المستطاع.
مدار هذا الكلام حول اختلاف التعبير القرآني في تفسير ما قام به العبد الصالح لموسى عليه السلام، ذلك أنه قال في شأن السفينة وما أحدثه فيها:
﴿وَأَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِين يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف: 79]، وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا، فهنا نسب الإرادة إلى نفسه، قال: فأردت أن أعيبها.
ثم في شأن الغلام قال: ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا، فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف: 80-81]، فهنا استعمل صيغة الجمع، قال: فخشينا أن يرهقهما، ثم: فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما، هذا في شأن الغلام.
ثم في شأن الجدار والكنز لليتيمين فإنه قال: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ، وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا، فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا، وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا، رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ، وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف: 82]، لما الاختلاف في التعبير في هذه المواضع الثلاثة؟
وخلاصة ما ذكره المفسرون يدور حول لطيفة لها اضطراد في كتاب الله عز وجل: أن الخير يُنسب إلى الله تبارك وتعالى، أما الشر فإنه لا يُنسب إليه تأدبا.
نجد في قول إبراهيم ذكر مننًا ونعما عليه من الله تبارك وتعالى ونسبها إلى ربه، لكن لما جاء المرض قال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: 80]، لم يقل: وإذا أمرضني فهو يشفين، قال: وإذا مرضت فهو يشفين.
وفي سورة الجن قال ربنا تبارك وتعالى: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن: 10]، ﴿أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ في أمر الخير نسبه إلى الله تبارك وتعالى.
فكثير من هؤلاء المفسرين لاحظوا هذه اللطيفة؛ ففي حالة السفينة فإن هذا الفعل مفسَّره بأنه أحدث فيها عيبا، ولذلك نسبه إلى نفسه تأدبا مع الله تبارك وتعالى، وفي الكنز الذي هو للغلامين فلأنه كل ما صاحب هذا الفعل هو خير وصلاح ومنفعة، فإنه نسبه إلى الله تبارك وتعالى، ولذلك قال: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾ ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك، فنسب هذا كله إلى الله تبارك وتعالى، من الباب المتقدم في التأدب مع الله عز وجل، في نسبة الخير والصلاح، في نسبة الخير والرشد إلى الله تبارك وتعالى.
وقالوا في الآية في الموضع الثاني: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾، إن في هذا الفعل جانبين: جانب القتل، وهو مفسدة وشر، وجانب الإبدال: أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما، وجانب الإبدال هذا خير وصلاح ومنفعة، فلأجل هذين الجانبين استعمل هذه الصيغة.
لكني أستشكل هذا الموضع في الحقيقة؛ لأنه يشي بالتشارك، وإن كان عدَدٌ كبير من المفسرين قد ذكر هذا الأمر، فمن مثلا الشيخ القطب في «ميان الزاد» ذكر، بل نص على أنه أسند الفعل إلى نفسه وإلى الله وإلى نفسه، والعلامة الطاهر بن عاشور فعل ذلك أيضا، وسمى هذه الصيغة: صيغة ضمير المتكلم المشارك، أو المشارك، وهو ما يتحدث عنه اللغويون وعلماء النحو من أنه صيغة الجمع، ضمير الجمع، لكنه قد يكون دالا إما على التشارك، أو أن يكون دالا على التعظيم، أن يُقصد به التعظيم.
التشارك من نحو قولنا في الفاتحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: 6]، هذه صيغة الجمع، يُقصد بها التشارك، والتعظيم من نحو قوله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: 1]، فتسمى «نون العظمة» أو «جمع العظمة».
قلت: أستشكل هذا الجمع في صيغة الفعل ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾؛ فيكون مدلول الفعل صادقا على العبد الصالح، وعلى ذي العزة والجلال، فنعم، الاشتراك يكون بين المتساويين، بين من هم مجموع متساوٍ، أما أن يكون هناك اشتراك مع الله تبارك وتعالى في الفعل فهذا مُشكل، ولا أظن أنهم يقصدون هذا المعنى، لكني لم أستطع استيعاب ما يرمون إليه.
لعلهم أرادوا فقط ملاحظة هذا الاعتبار: أن هناك اعتبارا للقتل، فأراد أن ينسبه إلى نفسه، وهناك اعتبارٌ للإبدال، وهو خير، فأراد نسبته إلى الله تبارك وتعالى، فجاء التعبير على هذا النحو.
أقول: إن هذا مشكل، والتوجيه –مع حسن ما قالوه في الحالة الأولى والثالثة، في الحالة الأولى والثالثة هذا مستحسن–، وذكروا وجوها أخرى، من ضمنها أيضا أن الفعل الأول، وهو إحداث العيب في السفينة، أراد به المباشرة، ولذلك قال: فأردت أن أعيبها، فعيبتها، يعني تقدير الكلام: فأردت أن أعيبها فعيبتها.
وأما الأمر الذي هو الكنز للغلامين، فلأن الذي ذكره ليس في مقدوره هو: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا﴾، ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾، ويستخرج كنزهما، هذا مما يستأثر به الله تبارك وتعالى، ولذلك قال –يعني الشيخ القطب في «ميان الزاد»– قال: هذا لا يكون إلا لله تعالى وحده.
وهذا يقودني إلى أمر مهم، وهو أن موارد استعمال هذا الفعل مختلفة؛ فهناك يتحدث عن إحداث عيب في السفينة، وهذا فعلا باشره هو، وهو فعل في ظاهره فساد، لكن في حقيقته وجوهره صلاح، فيه تنجية وإنقاذ لهذه السفينة التي هي للمساكين، وفي الفعل الثالث في الكنز، فإن محل الإرادة مختلف تماما، هو لا يتحدث عما هو في مقدوره هو، ولذلك فإن مع حسن ما قالوه من أن فيه نسبة خير إلى الله تبارك وتعالى، لكن الصحيح أنه لا يصح إلا هذا التعبير؛ لأن المذكور مما هو مراد: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾، هذا ليس في مقدوره هو، فلا يستقيم أن يأتي بغير هذه الصيغة، ﴿وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾، لا يستقيم غير هذا.
وأما في الموضع الثاني: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾، في الموضع الثاني وهو قتل الغلام: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾، مَن المتكلم في هذه الجملة؟ الصحيح أن المتكلم هو العبد الصالح، في سياق البيان والكشف لموسى عليه السلام؛ يعني لما قال: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: 78]، هذا الكلام من كلام العبد الصالح –الخضر على ما بينت السنة النبوية– لموسى عليه السلام، إذن كل الكلام للعبد الصالح، وهو يخاطب به موسى عليه السلام ليكشف له ما غُيِّب عنه من تلك الأفعال التي استنكرها موسى عليه السلام.
فالمتحدث هو العبد الصالح: فأردت أن أعيبها، يتحدث عن نفسه، وبيَّن له السبب: وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا، ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ، فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا، فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾، هو المتكلم، هو الذي خشي، وهو الذي أراد، والإرادة هنا في سياق التوجه إلى الله تبارك وتعالى أن يطلب منه أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما.
لا يصح أن يقال بالاشتراك، ولذلك تأوَّلوا الذين قالوا بأنه يتحدث عن نفسه وعن رب العزة والجلال، تأوَّلوا ﴿فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا﴾، ونسبوا قراءات إلى ابن عباس وإلى بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن الخشية هنا بمعنى العلم، أو أن الخشية هنا بمعنى الخوف من وقوع محذور، وذكروا لذلك بعض الأمثلة، لكن الحقيقة هذا تكلُّف لا حاجة إليه؛ لأن المتكلم هو العبد الصالح.
فلمَ تكلَّم بنون العظمة؟ لمَ تكلَّم بصيغة التعظيم: فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا، فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما، ولم يتكلم بصيغة الإفراد؟ الإمام الرازي يقول: بأنه تكلم بصيغة التعظيم لأن الموقف عظيم، فأراد أن يبين منزلته عند الله تبارك وتعالى لموسى، هذه المنزلة هي التي مكنته من أن يجري أمر الله تبارك وتعالى في إزهاق النفس، في القتل، وفي ما أوتي إياه من علم الحكمة وعلم الباطن من عند الله تبارك وتعالى، فأراد أن يكون لقوله –يعني معنى كلامه– أن يكون لبيانه لموسى عليه السلام إقناعٌ له أن الفعل في ظاهره فعل عظيم، فعل كبير، والذي بوَّأني لذلك هو منزلتي عند الله تبارك وتعالى، وما كشفه لي ربي جل وعلا لأقوم بهذا الفعل، إذ هو ينفذ، هو ينفذ لا شك، ولذلك قال: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف: 82]، هو في كل هذه الحالات الثلاث قال: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾، لكن هنا استدعى أن يكون كشفه ببيان منزلته لعظم الأمر وأهميته.
أما ابن عاشور فقد قال: بأن صيغة التعظيم هنا يُراد منها إظهار التواضع، نعم، على خلاف ما ذكره الرازي، وذكره غير الرازي أيضا طائفة، وأشار إليه عدد من المفسرين أن الموقف يستدعي أن يبين منزلته لموسى عند ربه تبارك وتعالى، لكن ابن عاشور يرى بأن استعمال –هكذا هو يسميه– هذا ضمير المتكلم المشارك، أنه ليس من باب التعظيم، وإنما هو من باب التواضع، ولم أجد مثل هذا المعنى لغيره، وهو يقول في التفسير: بأن اللغة تشهد بصحة هذا المعنى، ولعله –أقول لعله، لأني بالبحث لم أجد أيضا في كتب اللغة– لكن لعله أخذه من بعض معاني أسلوب الاختصاص؛ فالاختصاص في اللغة العربية من معانيه أنه يمكن أن يكون للتعظيم والفخر، مثلا: نحن المسلمين أوفى من أنجز وعده، فيمكن أن يكون في سياق، هذا استعمال صيغة الجمع في سياقه تعظيمٌ وفخر، ويمكن أن يكون من معاني الاختصاص: التواضع، فيمكن في نفس هذه الجملة أن يكون هذا من باب التواضع.
فهو يقول ذلك، وعلى كلا المعنيين، على كلا التوجيهين، فهما لهما وجه صحيح مقبول فيما يظهر لي.
هذا هو خلاصة القول في هذه المسألة، هناك أقوال أخرى لا حاجة لنا بذكرها الآن.
والله تعالى أعلم.