⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
لعل هذا هو الذي بعث – اي اقصد مثل هذه الاثار – يمكن ان نفهم بها توجيه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في هذا الحديث القدسي حينما قال: «فاذا كان يوم صوم احدكم فلا يرفث ولا يصخب، ثم قال: فان سابه احد او شاتمه فليقل: إني صائم»، فهو مأمور اثناء تلبسه بالصيام ان يملك شهوات نفسه، وان يكبح غرائز غضبه، فلا ينفعل ولا يندفع، حتى حينما يساء اليه فانه مأمور ان يذكر نفسه وان يذكر غيره بانه متلبس بعبادة، هذه العبادة لا تكون الا بالكف عن محارم الله، فيدرب نفسه على كظم الغيظ، وعلى احتمال الاذى، وعلى الصبر على طاعة الله عز وجل، وعلى الشعور بلذة هذه العبادة وحلاوتها.
فالصوم لا يقصد منه ان يندفع الصائم وراء اي مشاعر يمكن ان تستفز، وان يكون سبب ذلك انه اعتاد على نمط غذائي لعله يسرف فيه – ولنقل ليلا – ثم انه على عوائد من الطعام والشراب ثم انه ينقطع عنها، فاذا به يتحول الى سبع شرس على اهل بيته، على زوجه، على اخوانه، على زملائه في العمل، على من يقدم لهم الخدمة؛ لا، الصوم خلق، ولا يتحقق معنى الصوم الا باحسن الاخلاق.
وهذه الاخلاق تظهر في الاقوال والافعال وفي الاستبشار، هذا الاستبشار لما يستبشر العبد بفيوضات رمضان من الرحمة والمغفرة وعظيم الفضل، ويتذكر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان ايمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه»، الان من يبدأ الحديث ببيان فضل الفريضة: «من صام رمضان ايمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه»، ثم يترقى الى النوافل: «ومن قام رمضان ايمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه»، ثم يترقى الى عبادة مخصوصة، يغفر له ما تقدم من ذنب؛ هنا في هذا النوع المذكور قبلا: من قام رمضان ايمانا واحتسابا حاز هذا الفضل: «له ما تقدم من ذنبه»، ثم يخص بالذكر ليلة القدر: «ومن قام ليلة القدر ايمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه».
كيف بمن يسمع هذه البشارات تضيق نفسه ولا ينشرح صدره، ولا يتعامل مع الناس باحتمال اذى وبصبر وحلم واناة، وهو يطمع ان يكون ممن يغفر له ما تقدم من ذنبه، وهو يطمع ان يستمطر رحمات الله عز وجل عليه؟ اما ان يصوم صوما شكليا لا روح له ولا جوهر، فهذا يمكن ان تضيق نفسه، ومع ذلك فان عليه ان يتدارك؛ لان هذه الفرصة قد لا يدركها.
كم فاتت اناسا، كم فاتت يعني هذه الفرصة اناسا كانوا ينتظرونها ويترقبون وصولها، وكم حرم منها ممن لم يكتب له ان يشهد الصيام واذا به يدرك صوم رمضان، ولهذا ابعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الذي يدرك رمضان ثم لا يغفر له.
اذا الجانب العلمي، اي معرفة ما اودعه الله عز وجل في الصيام – وهذه ما عادت تخفى على احد كما تفضلت في البداية فان العلماء والوعاظ والمرشدين، جزاهم الله خيرا، يبينونها للناس يعرفونهم بها – لا يراد من هذا التعريف والتذكير ان تكون مجرد معلومات تحشى بها الادمغة، المراد ان يتلقاها الناس بعقولهم وقلوبهم حتى ينتفعوا بها في واقعهم: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: 55].
الان اذا اردنا ان نأخذ الامر بامثلة معاصرة: من كان اسيرا لعادة محرمة، كالتدخين او معاقرة الخمور او شيء من المخدرات او المفكرات التي لها ارتباط بالهرمونات، الا ينظر اليه على انه اسير مقيد مكبل، هو يظن نفسه انه حر، لكنه في الحقيقة لا يستطيع ان يعيش بدون هذه العادات المحرمة – ان نتحدث عن عادات محرمة كبائر من كبائر الذنوب والعياذ بالله – فإذا نصحه ناصح ان يترك هذه العادات، هل ينقله من حرية الى اسر، او العكس؟ الحقيقة انه ينقله من قيد واسر غليظ طوق به نفسه الى حرية وسعة، وان يتحلل من تلك القيود التي احاط نفسه بها.
هكذا يفعل الصيام؛ هو يحررنا من العادات المألوفة التي الفناها، من باب اولى اذا كان يحررنا من الف بعض المباحات فانه من باب اولى يثبت لنا اننا قادرون على ان نتخلص مما يسخط الله تبارك وتعالى، فبذلك نرمي هذه القيود عن انفسنا، عن قلوبنا وعن ابداننا وعن عقولنا، لننتقل الى تحرر، الى فسحة وسعة من العيش ومن امر الدين.
فهذا هو معنى الصوم؛ اذا انتقلنا الى مثل هذا الفهم فان نفوسنا تنشرح، ونتطلع الى مزيد من فيوضات رمضان، والى ان لا نقتصر على القدر الواجب فيه، وانما نكثر من ذكر الله عز وجل ومن تلاوة القران ومن القيام قدر الاستطاعة، ومن تحري ليلة القدر؛ لاننا ذقنا حلاوة هذه العبادة او ادركنا حلاوة هذه العبادة انها تخلصنا من الاثار والقيود التي يغرق فيها كثير من الناس من حولنا، لا سيما في هذا العالم الذي غلبت عليه المادية والشهوات والتسلية والترفيه.
اذا هذا التفسير المادي يصدر من الانسان، سواء كان في معاقرته لهذه العادات واستمراره عليها، او في هذه الاشياء التي تطرأ فجأة، ليست عذرا؛ انما يمكن ان يقود نفسه عن طريق الايمان، يعني الصوم يرفع هذه الدعوى، يثبت ان هذا الانسان بالعزيمة والاقبال على الله عز وجل قادر على التخلص منها، وانه قادر على التحكم في انفعالاته ومشاعره، ومطلوب منه ذلك، وانه يجد حلاوة في مثل هذا السمو الذي يبعثه عليه دينه ورغبته في ان يرضي ربه تبارك وتعالى، وان يتحرى ما ادخره له مولاه من اجر الصيام.
والله تعالى اعلم.