⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
نعم، هذه قضية مهمة لا شك، والحقيقة أننا نجد لها أدلة شرعية يمكن أن تعين على فهم كيف يتعامل المرء في مثل هذه الحالات.
فنحن نجد أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إنما تنكّر له قومه، ونصبوا له العداء، وأخرجوه من أرضه، ولكنه مع ذلك كان حريصاً على مصلحتهم، متسامياً فوق عداوتهم، ينظر إلى المستقبل نظرة رحمةٍ وشفقة.
فحينما أرسل الله تعالى إليه ملك الجبال لينزل العذاب بقومه الذين صدّوه ومنَعوه وأخرجوه، فإنه عليه الصلاة والسلام لم يختر تعذيب قومه، وإنما رجا أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله تبارك وتعالى، ورجا أن تصل إليهم الهداية.
حينما أيضاً قيل له: لِتَدْعُ عليهم يا رسول الله، قال: «إن الله تعالى لم يبعثني لعاناً، وإنما بعثني رحمة».
حتى وإن قَسَت الأوطان على أهلها، فإن على هذا الذي قُسِيَ عليه – مع سعيه إلى رفع الظلم عنه، وإلى دفع العداوة عن نفسه، وإلى حصوله على حقوقه – ليس له أن يتنقّص من وطنه، ولا أن يعادي وطنه، ولا أن يحقر من شأنه، ولا أن يسعى في خرابه، ولا أن يكون وسيلةً لمن يريد السوء بوطنه.
فإن مثل هذه الأحوال قد تدفع بعض ذوي النفوس المريضة إلى أن ترضى الذلة والهوان لأوطانها؛ لأنها تكون في حالة من الضعف والشعور بالظلم، فيسهل اقتناصها ممن يريد سوءاً بالوطن.
ولهذا حذّر القرآن الكريم من مثل هذه الأحوال حينما قال ربنا تبارك وتعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 83]؛ سواءٌ كان ذلك في حالة الأمن أو في حالة الخوف – أي اضطراب الأحوال وارتفاع الأمن – ففي مثل هذه الحالة ليس له أن يشيع – على سبيل المثال – أسرار وطنه.
قد يكون مطّلعاً على بعض الأسرار في جهة عمله، وقد يكون في وظيفة ذات حساسية – على سبيل المثال – فليس له، بسبب قسوة وطنه عليه، أن ينشر أسرار وطنه، أو أن يكون وسيلةً يهدم بها وطنه، أو أن يرضى الخيانة في أدائه لمسؤوليته، وفي رعايته للوظيفة التي كُلِّف بها.
ضرب الله تعالى لنا في كتابه الكريم قصة قارون؛ قد لا ننتبه أحياناً – نحن نقرأ: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ﴾ [القصص: 76] – وقد كان من قوم موسى فبغى عليهم. الآن لنتصور تلك الثروة الهائلة والملكات التي أوتي إياها قارون، لو أنها وُظِّفت في سبيل الخير والنصرة لموسى وقومه – موسى عليه السلام وقومه من الذين آمنوا به – لكنه بغى على قومه، وبسبب غيّه جلب الشر لنفسه ولِمَنْ…
فهذه هي الأمثلة في كتاب الله عز وجل تتكرر، فينبغي لنا أن نأخذ منها العِظة: أنه في مثل هذه الأحوال… والواجب على الوطن – أي على أهل القرار وأصحاب المسؤوليات – أن يُنظَر لحال هذا الذي يجد قسوةً من وطنه، وأن يهتموا بشأنه، وأن يُوَفَّوْه حقوقه. لكن ذلك في كل الأحوال لا يسوّغ له أن يكون معولاً لوطنه، وأن يكون وسيلة يمكن أن يُتَنَقَّصَ بها من وطنه، لاسيما في هذه الأعصار المتأخرة التي كثرت فيها وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات المختلفة وفُتحت الحوارات.
فقد ينساق بفعل تلك العواطف إلى ما يمكن أن يجلب به السوء لوطنه، فلا بد من الحذر الشديد في مثل هذه الأحوال… والله تعالى أعلم.