⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بهذا السؤال الأخير: مسؤولية مَن؟ الحقيقة أنها مسؤولية الجميع؛ فهي مسؤولية الأفراد، وهي مسؤولية المجتمع، وهي مسؤولية المؤسسات العامة والخاصة، ليس أحدٌ من هؤلاء خلوًّا من تحمُّل قسطه من المسؤولية بإزاء بناء الوطن بالتزام هذه المأمورات واجتناب المنهيات التي يمكن أن ترد أركان المجتمع.
فردٌ بصلاحه في نفسه، وبأمره بالمعروف، وبحسن تديُّنه، وبنهيه عن المنكر، واتباعه للحق، وبمنعه نفسه من ظلم الغير، مع سعيه إلى الحصول على حقه، ومع أخذه بأسباب التعلُّم، والتزامه بالإصلاح؛ فإنه شريك لا يمكن أن يُستغنى عنه في سبيل بناء الوطن.
لكنا ذلك لا يكفي؛ فإن هذه هي الأسس، لا يمكن أن يقوم بهذه المأمورة، لا يقتصر مقتضاها على الفرد وحده، … أن تتحمل المسؤوليات العامة والخاصة قسطها من هذه المسؤولية.
ولهذا نجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يغرس هذا المعنى فيقول: «ألا كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته؛ فالإمام راعٍ، وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راعٍ في بيته وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في مال زوجها، وهي مسؤولة عن رعيتها، والخادم راعٍ في مال سيده وهو مسؤول عن رعيته»، قال: «ألا كلكم راعٍ».
فإذًا هي مسؤولية الجميع، ولا يمكن أن نبلغ بأوطاننا المستوى الحضاري الذي نرتضيه لوطننا دون أن يؤدي كل واحد منا مسؤوليته التي يتحملها.
على سبيل المثال: حينما نقول: العدل، هل يلتزم المرء في نفسه حينما يطالب بحقوقه بالعدل، لكنه يطفِّف في الكيل حينما يؤمر بتأدية الحقوق إلى غيره؟! أنواع الظلم ومجانفة العدل؛ فالله تبارك وتعالى يقول: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾.
فصاحب السلطة – أَيًّا كانت هذه السلطة – ليس له أن يحابي قريبًا، أو أن يُجانف مبدأ العدل، أو أن يستأثر لنفسه، ولا يراعي بني وطنه، ولا ينصفهم في تلك السلطة التي خُوِّل إياها …
فإن عليه أن يكون ذا علمٍ وأمانة؛ إن لم يكن أمينًا فإن ذلك يعني أنه خائن للأمانة، وأنه مقارفٌ لما يسخط الله تبارك وتعالى بمجاوزته لحدود العدل وبظلمه فيما خُوِّل إياه، ولذلك فإن عليه لزومًا أن يكون حريصًا على وضع ذلك المال في المحلِّ الصحيح الموافق لما فيه بناءٌ للوطن، وصلاحٌ للمواطنين، ونجاحٌ لأحوال المجتمع؛ ليس له أن يبدِّد هذا المال في السَّفَه واللهو، عليه أن يراعي الأولويات التي يحتاج إليها المجتمع، والتي تحقق للناس ما يبتغونه من كفافٍ ورضا وعيشٍ كريم، ما يحفظ لهم كرامتهم، ما يدعوهم إلى مزيد من الإنتاج والعمل، لا أن يسيء في هذه السلطة التي خُوِّل إياها، فإذا به يبعثر هذا المال يمنَة ويسرة، غير مبالٍ بحدود ولا بشرع، ولا بمبادئ العدل، أو أن يكون جاهلًا من الجهال، فإذا به بعد ذلك يسيء في هذه السلطة التي هي تحت يده.
وكذا الحال فيما يتعلق بمختلف الإدارات والمسؤوليات والأمانات التي يُخوَّل إياها.
خذ على سبيل المثال أيضًا أرباب الأموال، أصحاب الشركات والمؤسسات: هل من الإنصاف أن يتركوا أبناء وطنهم يبحثون عن الأعمال ويتكففون الناس ويسألون، وهم مؤهَّلون قادرون على أداء وظائف في هذه الشركات الكبرى والمؤسسات ذات رؤوس الأموال الكبيرة وذات العمالة الكثيرة، لكنه يؤثر غير بني وطنه بهذه الوظائف؟ هل هذا من الإنصاف والعدل؟ هل هذا من تقدير ما يحتاج إليه الوطن؟ هل هذا يتناسب مع العلم الذي نتحدث عنه؟ هل يتناسب مع مبدأ التزام الحق والتمسك به؟ أن يترك بني مجتمعه، وأن يترك أبناء وطنه لا يجدون في عيشهم كفافًا، وقد تعلموا وبذلوا واكتسبوا من المهارات، وإذا بالمؤسسة التي يديرها أو يملكها، أو الشركة التي يملكها، إذا بها توظف المئات، وقد توظف الآلاف من غير بني وطنه، وكأن هؤلاء المواطنين لا يصلحون لمثل هذه الوظائف، أو كأنه يقصد أن يكونوا في عوزٍ شديد، وألا يلتفت إلى احتياجاتهم، وألا ينصفهم من نفسه، ولا مما منَّ الله تبارك وتعالى به عليه من بَسْطةٍ في الرزق.
هذه المبادئ والقيم – ولما نتعرض بعدُ للمنهيات – هذه هي كفيلةٌ لبناء الأوطان بناءً راشدًا يحقق للناس العيش الكريم.