⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
ربنا تبارك وتعالى يقول في هذه الآية الكريمة: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134].
العفو من القيم العظيمة في هذا الدين التي يدعو إليها ويأمر أتباعه بالتحلي بها، ومعنى العفو: ترك المؤاخذة على الذنب، وفوق العفو الصفح، والصفح يعني ترك التثريب واللوم؛ إذا فوق العفو درجة هي درجة الصفح؛ فالعفو: ترك المعاقبة، ترك المؤاخذة على الذنب الذي صدر، أما الصفح فإنه ترك التثريب واللوم، وكلا القيمتين مما أُمرنا بهما ربنا تبارك وتعالى.
في سياقٍ سيجيب بإذن الله عن هذا السؤال، لما قال ربنا تبارك وتعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: 22].
ولذلك لما نزلت هذه الآية الكريمة –وكان أحد أقارب أبي بكر رضي الله تعالى عنه، هو مسطح بن أثاثة، كان قد خاض في حادثة الإفك، فتكلَّم في عِرض السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها– فآل أبو بكر –أي حلف– «ولا يَأْتَلِ» أي لا يَحْلِف، من الأليَّة: الحَلِف؛ آل أبو بكر رضي الله تعالى عنه، وكان مسطح من أقاربه، ألا يصِلَهُ، ألا يُعطيَه، وهو كان من المهاجرين الفقراء مسطح، وكذلك فعل أيضا غيره، فلما نزل: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾، فقال سيدنا أبو بكر رضي الله تعالى عنه: بلى والله.
فالذي يعفو ويصفح عن غيره إنما يفعل ذلك لأجل نفسه، لأجل ما يرجوه عند الله تبارك وتعالى من أن يغفر الله تبارك وتعالى له، وهنا هذه المرتبة –مرتبة المغفرة، التي هي من الله عز وجل لعباده– هي فوق العفو والصفح، قال: «فليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم»، لم يقل: «أن يعفوَ الله عنكم»، لم يقل: «أن يصفحَ الله عنكم»، وإنما قال: «أن يغفر الله لكم»، فالمغفرة أعلى.
وهذا من الخلال التي يتصف بها المتقون الذين وُعدوا جنة عرضها السماوات والأرض في الآية الكريمة؛ وكظم الغيظ: الكظم هو إغلاق القِربة الممتلئة؛ يعني إذا كانت القِربة ممتلئة فأغلق فاهَا، أغلق فم القربة، هذا كظم القربة، هذا هو الكظم، يعني هذا وصل من الغيظ حدَّ الامتلاء، ولكنه كظم، أغلق تلك الغضبات التي يمتلئ بها صدره، كظم، ثم أتبع ذلك بعفوٍ عمَّن أساء إليه، قال: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾، فهذه منزلة عظيمة.
مما يُعين عليها –مع ما ذكره السائل مما يجده في نفسه– فإن مما يُعين عليه أن يتذكر قدرة الله عز وجل عليه، وأنه أحوج ما يكون إلى أن يغفر الله عز وجل له، وأن يستر له عيوبه، وأن يصفح عنه، وأن يعامله بلطف ورحمة وستر وفضل وإحسان منه تبارك وتعالى، فهذا هو الذي يعين المسلم الحق على التحلي بمثل هذه الأخلاق والكمالات؛ فهي ليست في مقابل: هل الآخر يستحق أو لا يستحق، وإنما الباعث هو ما يرجوه هذا العبد نفسه –هذا المكلَّف– من ثواب وأجر، واحتياج وافتقار إلى الله تبارك وتعالى، هذا هو الذي يبعثه إلى العفو عمَّن أساء إليه.
والله تعالى أعلم.