⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
الجواب: هذا أمر يؤسَف له كثيرًا، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على الموالاة العمياء التي حذر الله تبارك وتعالى منها؛ إذ الموالاة وإن كانت هي في أعماق النفس، إلا أنها تظهر على سطح الحياة من خلال تصرف الإنسان، فتتجسَّد في محاولة تقليده للذي يُواليه والذي يُكْبِرُه.
ونحن نرى أن الله سبحانه وتعالى حذَّر المسلمين من أن تذوب شخصيتهم في تقليد غيرهم، وأن يكونوا تبعًا لغيرهم، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ، بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ، وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ، إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: 51]، ثم قال: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ، يُسَارِعُونَ فِيهِمْ، يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ، فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ، أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ، فَيُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ، وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَٰؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ، حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ، فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾ [المائدة: 52-53].
ثم يقول سبحانه وتعالى بعد ذلك محذِّرًا من الارتداد، وفي هذا التحذير من الارتداد ما يُشعر بأن هذه الموالاة عندما ينجَرُّ الإنسان وراءها شيئًا فشيئًا لا تقف به عند حدٍّ، حتى تصل به إلى الانسلاخ من الإسلام تمامًا؛ يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، مَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ، فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ، أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ، يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ، ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ، وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: 54].
ثم يقول: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ، وَرَسُولُهُ، وَالَّذِينَ آمَنُوا، الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ، وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة: 55]؛ فيبين سبحانه وتعالى وجوب حصر المؤمن وِلايتَه في ربه سبحانه وتعالى ونبيِّه والمؤمنين، وليس له أن يُوالي الآخرين، ثم يبيِّن كيف إذا اهتمَّ المسلم بموالاة ربه سبحانه وتعالى وبموالاة نبيِّه وبموالاة إخوانه المؤمنين كيف يكون، يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَالَّذِينَ آمَنُوا، فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: 56].
فإذاً ليس للمسلم أن ينساق وراء ما عند الآخرين؛ النبي صلى الله عليه وسلم كان في هذا الأمر حساسًا جدًّا، ولذلك كان يترك الأمر الذي يفعله من أجل مخالفته لأولئك الذين يُخشى أن يتأثَّر المسلمون بعاداتهم وأخلاقهم وما أَلِفُوه من الأمور.
فالنبي عليه أفضل الصلاة والسلام كان في حال الاحتضار مَيْتًا، وكان واقفًا، وكان أصحابه وقوفًا معه، فمرَّ بهم يهودي فقال: هكذا تصنع الأحبار، فقعد النبي عليه أفضل الصلاة والسلام، وقعد أصحابه، أمر أصحابه بالقعود، حتى لا يتأثَّروا بعادات اليهود.
فما بال هذا المسلم وهو ينجَرُّ وراء ما عند الآخرين، بحيث يلبس لُبوسَهم، ويتحدث بحديثهم؟ هذا إن دل على شيء فإنما يدل على الهزيمة النفسية التي لحقت هؤلاء الناس، ولا ريب أن الضعيف دائمًا يحاول أن يقلِّد الأقوى؛ الضعيف يحاول أن يقلِّد الأقوى.
عندما كان المسلمون أقوياء، وكانت سطوتهم تُرْجِفُ الأرض، في ذلك الوقت كان الآخرون يحاولون أن يقلِّدوهم، ويرون في هذا التقليد مظهرًا من مظاهر المدنية والتقدم، فلذلك كان شبابهم يقلِّدون المسلمين، وكانت فتياتُهم تُقلِّدُ المسلمات، وهذا مما يُعهَد في التاريخ كثيرًا؛ فعندما كانت الأندلس عربيةً مسلمةً، كان القُوط النصارى من حول الأندلس الذين يتعايشون مع المسلمين يحرصون على تقليد المسلمين؛ فعندما يلقى الشابُّ زميلَه يقول له: السلام عليكم، أو نحو هذا الكلام، وعندما يودِّعه يقول له: في أمان الله، أو مع السلامة، أو في حفظ الله، ولو كان هو لا يعي معنى هذه الكلمات.
ولكن لننظر الآن كيف انقلبت الأمور رأسًا على عقب، فالمسلم الآن عندما يريد أن يُظهر نفسه بمظهر المتقدم، مظهر المدنية، لا بد من أن يُطعِّم كلامَه بالكلمات الأجنبية، فيقول مثلاً: أوكي، أو ألو، أو مثل هذه الكلمات، كل ذلك من أجل تقليد الآخرين، هذا مما يدل على ما أصاب هذه النفوس من الهزيمة النفسية.
فإذًا أولاً قبل كل شيء: تربية النفوس على الاعتداد بالقيم، والاعتداد بالأخلاق، والاعتداد بالعقيدة، والاعتداد بالمواريث الفكرية، والاعتداد بالمواريث التاريخية، من غير تفريط في شيء من ذلك، هو الذي يرفع بهذه النفوس، وإلا تظل هذه النفوس هامدةً ذليلةً، خَانِئَةً، خاضعةً لهؤلاء الآخرين.
والله تعالى أعلم.