⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
لنبدأ بالسؤال الأخير: هل هو العقل أو القلب؟ نعم، هذه مسألة طويلة الذيل عند علماء الإسلام من مفسرين ومن فلاسفة ومتكلمين، وكل من لهم صلة.
لكن في هذا السياق هي كلها مصادر للتعلم، وسائل أودعها الله تبارك وتعالى في هذا الإنسان لاكتساب العلم والمعرفة.
ما الفارق؟ الفارق أن إدراك القلب –إذا قيل بأن الفؤاد هو القلب– هو إدراك الاتعاظ والاعتبار، إدراك المعاني غير المحسوسة مما يتصل بالموعظة؛ أما إدراك العقل فيدرك المحسوسات، ويحلل ويصنف ويستنتج، لكن الذي يتعلق بالاتعاظ إنما مردُّه إلى القلب.
وهذا يزيل كثيرًا من الإشكال عند بعض الناس حينما يقرؤون كتاب الله عز وجل فيجدون أحيانًا التعبير بالعقول، وأحيانًا التعبير بالقلوب؛ إذ المراد من القلوب ما يتعلق منها لا بالجارية الضَّخَّة للدم، وإنما ما يتعلق منها بما أودِع فيها من ملكات الاتعاظ والاعتبار وإدراك الغايات، وما يتعلق منها بالمعنويات، وإذا كان الحديث عن ما يتعلق بالعقل فإن ذلك يتصل بالتحليل وإدراك المتناقضات وبناء النتائج وترتيب النتائج على المقدمات مما هو من فعل العقل.
كل هذا –فيما يتصل بمحل البحث– داخل في الوسائل التي وهبها الله تبارك وتعالى لهذا الإنسان لأجل أن يصل إلى التعرف عليه سبحانه وتعالى، ولأجل أن يتمكن من حقائق الإيمان بالبراهين والأدلة وبالشواهد والعِبَر المودَعة في آيات الله تعالى في الكون، وفي آيات الله تعالى المسطورة في كتابه العزيز.
فكلها داخلة في هذا المعنى، لن يغير شيئًا أن قلنا بأن الأفئدة هنا بمعنى العقول، أو الأفئدة هنا بمعنى القلوب؛ فكلها تلتقي في المراد من الآية الكريمة، وهذا مما أشار إليه أيضًا عدد من المفسرين؛ تعرضوا للمسألة التي تفضلتم بذكرها، ولكنهم في سياق بيان معنى الآية الكريمة قالوا: إن كل ذلك مقصود.
قد يقال بأن كلا الجارحتين يدخلان، وذلك لما عُهد في كتاب الله عز وجل من الاتساع في المعنى؛ فاستعمال بعض الألفاظ أو بعض التراكيب فيه لا حاجة إلى أن تُحمَل على معنى واحد، لأنها تتسع لكل المعاني، ألفاظ مشتركه... حتى ولو لم تكن ألفاظًا مشتركة، لكن إن كان لكلمة من المفردات القرآنية في أصل وضعها اللغوي جملة من المعاني، تجد أن بعض المفسرين ينقلون عن طائفة من الصحابة أو التابعين قولًا في معنى تلك الآية الكريمة، وينقلون عنهم أو عن غيرهم قولًا آخر في معنى تلك المفردة لتفسير تلك الآية الكريمة، وظني أن من نُسب إليهم ذلك إنما هو قالوه على سبيل التمثيل والتقريب لا على سبيل الحصر.
فسواء قلنا القلوب أو العقول في تفسير معنى الأفئدة في هذه الآية الكريمة، فما المانع من أن يقال بأن كل ذلك مقصود، بأنها تشترك في المراد منها من استعمالها في هذه الآية الكريمة؟ ولذلك ما كانت هناك حاجة إلى التعداد، إلى ذكر العقول منفصلة عن القلوب.
وهذا ما أجده مقنعًا، وهو مضطرد في كثير من المواضع في كتاب الله عز وجل.
والله تعالى أعلم.