⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم افتح لنا أبواب رحمتك، وانشر علينا أثواب حكمتك، اللهم علمنا ما لم نعلم، وفهِّمنا ما لم نفهم، واهدنا إلى الطريق الأقوم، إنك أنت العزيز الأكرم، وأنت الرب وأنت الحكم.
أما بعد؛ فإن الآية الكريمة في سورة سبأ في قول الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: 24].
فهذه الآية الكريمة يعلِّم فيها الله تبارك وتعالى نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم كيف يُحاجُّ أهل الجاهلية من المشركين، من مشركي قريش، فيقيم عليهم حجة.
في صدر الآية الكريمة يقرِّر فيها حقيقة لا يجادلونهم فيها، وهي في كون الرزق الذي ينزل مع غيث السماء أو الذي يخرج من الأرض نباتًا وثمارًا وزرعًا، لا يجادلون في أنه من عند الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، فإن جادلتم فقل: الله، نعم.
ثم بعد إقامة هذه الحجة يأتي ما يُعرَف اليوم بإنصاف المناظرة، نعم، إنصاف المناظرة والحوار: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.
فهنا –مع كون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على يقين لا يُخالطه أدنى ريب أو شك في أنه على الحق، وعلى المحجَّة البيضاء، وأنهم على ضلال وكفر بالله تبارك وتعالى– لكن في سبيل التَّنزُّل مع الخصم وإقامة الحجة إليه، مع تحبيبه للحوار والمناظرة وقبول الحجة، فإنه يُنصفه في الخطاب والحوار، يُنصفه في هذه المناظرة ويتلطَّف به، فيقول: أحدنا إما أن يكون على هدى أو أن يكون في ضلال، فلذلك قال: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، نعم.
فقلتُ: بأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم –مع يقينه أنه على الحق المبين– إلا أنه يتنزَّل مع خصمه في هذه المناظرة، فيجعلهم سواءً به، فلا يأتي ويقول: نُناظركم ولكننا على يقين أنكم على باطل وأننا على حق، كما يفعل كثير ممن يزعم أنه يُناظر اليوم أو يحاور أو يقيم الحجة على غيره، نعم.
بل الأعجب أن تأتي الآية بعد هذه الآية الكريمة لقوله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [سبأ: 25]، نعم، نسب إلى نفسه الإجرام، ويقول لهم: إنكم لن تُسألوا عن إجرامنا؛ ينسب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذا التلطُّف في الخطاب والحوار، وهذا التَّنزُّل مع الخصم في المناظرة، غايةً في الأدب وقواعد المناظرة التي فقدناها –للأسف الشديد– اليوم؛ فقدناها فيما بين أنفسنا، فمن باب أولى أن نفقدها مع غيرنا.
وإذا به حينما يقول: بأننا لا نُسأل عما… لم يقل: عما أجرمتم أو عما تُجرِمون، وإنما قال: ﴿عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾، نعم، فغاية في الأدب الرفيع في المناظرة والحوار.
وهنا ملحظ أيضًا ذكره عدد من المفسِّرين في بلاغة حروف المعاني؛ فإنه قال: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى﴾، نعم، فحين تحدّث عن الهدى استعمل الحرف الدال على الاستعلاء والتمكُّن، نعم؛ لأن الهداية تمكُّن واستعلاء، يعقبها أن يرى ببصيرته هذا الهدى، يرى النور في الظلمات، نعم.
أما الذي ينغمس في الغواية والضلال فإنه استعمل معه "في" الدالة على الظرفية، فقال: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، فكأنه ساقط في الضلال المبين، واقع فيه، مظروف لهذا الضلال، متلبِّس به، محيطٌ به، نعم.
فهذا أيضًا من الفروق الدالة على هذا السمو في الخطاب، وهذا الأدب الجم الرفيع.
وكم نحن بحاجةٍ إليه –أقصد أبناء هذه الأمة المسلمة اليوم باختلاف مذاهبها ومشاربها وطوائفها– نعم، إلى هذا الخُلُق القرآني الذي علَّمه ربُّنا تبارك وتعالى لنبيِّه محمد صلى الله عليه وآله وسلم، في كيفية مناظرته لأهل الشرك والأوثان، نعم، في كيفية إقامة الحجة عليهم؛ فينصفهم في المناظرة ويتلطَّف بهم في الحوار والخطاب، مع كونه –كما تقدَّم– لا يُخالطه أدنى ريب في أنه على الحق والهدى وأنهم أهل ضلال وكفر، ولكنه في هذا السياق يقيم عليهم الحجة ويدعوهم إلى الحوار، نعم.
فما أحوجنا إلى مثل هذا الأدب الرفيع، وإلى أن نلتزم بهذه القواعد والآداب في الحوار والمناظرة، ولو أننا أخذنا بهذا المبدأ وهذه القاعدة لاختفى كثيرٌ مما نراه اليوم من المشاحنات والعداوات وحزازات النفوس، نعم، التي تجد أن كل محاور لأخيه من أهل القبلة يتتبَّع عثراته التي لم يقصدها.
نعم، إن سهى في كلمة من آية قرآنية التبست عليه، اشتبَهَت عليه، أو في خضم المناظرة أو في خضم الحوار، فإنه يُقيم الدنيا ولا يُقعدها، ولا يحمله على حسن الظن بالتصويب والتصحيح، نعم، أو إن استشهد… أخطأ في شيء من الاقتباسات أو في شيء من الاستشهاد، ومع ذلك فإنه يُبكِّته؛ يعني: أنا أحاورك فقط لأجل إقامة الحجة عليك، لكنني على يقين… أنني على يقينٍ وأنني على صوابٍ، وأنت على خطأ، وأنت مبتدع، وأنت فاسق، وأنت كذا، وأنت مُحدِث في الدين؛ أيُّ حوارٍ هذا؟ ولذلك فلم نخرج من هذه الدوامة، نعم، بل اتسع الخرق على الراقع –كما يُقال– وازدادت الشُّقة، وبين أيدينا منهجٌ قرآني يردم هذه الهوة ويعلِّمنا كيف نتناظر وكيف نتخاطب.
فعسى أن نلتزم هذا الخلق القرآني الرفيع، والله تعالى أعلم.